وعلى نحو ما قال الزبيدي، جاء عن الإمام الذهبي، حيث قال [1] : ولو أنّ كلّما أخطأ إمام خطأ في إجتهاده في أحاد المسائل خطأ مغفورا له قمنا عليه، وبدّعناه وهجرناه، لما سلم معنا إبن نصر، ولا إبن منده، ولا من هو أكبر منهما، والله الهادي الخلق على الحق، وهو أرحم الرّاحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفضاضة.
وقال الحافظ إبن حجر العسقلاني في تهذيبه ترجمة أبي بكر بن عيّاش: وكان يحي القطان، وعلي بن المديني يسيئان الرأي فيه، وذلك أنه لمّا كبر ساء حفظه فكان يهم إذا روى، والخطأ والوهم شيئان لا ينفك عنهما البشر، فمن كان لا يكثر ذلك منه فلا يستحق ترك حديثه بعد تقدم عدالته. انتهى
وقد أوضح العلامة بكر أبو زيد حفظه الله تعالى قائلا في كتابه تصنيف الناس بين الظن واليقين:"فقد ترى الرجل يُشَار إليه بالعلم والدّين، ثم يحصل منه هفوة أو هفوات، فلتعلم هنا أنّه ما كل عالم ولا داعية كذلك يؤخذ بهفوته، فلو عُلِمَ ذلك لما بقي معنا داعية قط، فكلٌّ رادٌّ ومردود عليه، والعصمة لأنبياء الله ورسوله، نعم يُنَبَّه على خطئه، ولا يُجَرَّمُ به فيُحْرَم الناس من علمه ودعوته، وما يحصل على يديه من خير. انتهى"
مسألة: بيان موقف الصّواب من زلاّت العلماء
أصل الزلّة والزَّلَل في اللغة من زلَّ يزِلُّ، إذا انحَرفَ عن مساره، أو نَزَل عن مستواه.
و في إمكانية وقوع العالم في مثل هذه الزلاّت قال [2] الإمام إبن القيّم: العالِم يزِلُّ ولا بُدَّ، إذ لَيسَ بمعصومٍ، فلا يجوز قبول كلّ ما يقوله، ويُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم، فهذا الذي ذمَّه كلّ عالِم على وجه الأرض، وحرَّموه، وذمُّوا أهلَه. انتهى
قال [3] الإمام الشاطبي وهو يبيّن خطورة زلاّت أهل العلم: فإنّ زلّة العالم في علمه وعمله إذا لم تتعد لغيره في حكم زلّة غير العالم فلم يزد فيها على غيره، فإن تعدّت إلى غيره إختلف حكمها، وما ذلك إلاّ لكونها جزئية إذا إختصت به ولم تتعدّ إلى غيره، فإن تعدّت إلى غيره صارت كلّية بسبب الإقتداء والإتباع على ذلك الفعل أو على مقتضى القول، فصارت عند الإتباع عظيمة جدّا ولم تكن كذلك على فرض إختصاصها به، ويجري مجراه كلّ من عمل عملا فإقتدي به إن صالحا فصالح، وإن طالحا فطالح، وفيه جاء من سنّ سنّة حسنة أو سيئة، وإنّ نفسا لا تقتل ظلما إلاّ كان على إبن آدم الأوّل كفل منها، لأنّه أوّل من سنّ القتل، وقد عدّت سيئة العالم كبيرة لهذا السبب وإن كانت في نفسها صغيرة. انتهى
و قال [4] - رحمه الله - في هذا المعنى أيضًا: تستعظم شرعًا زلة العالم وتصير صغيرته كبيرة من حيث كانت أقواله وأفعاله جارية في العادة على مجرى الإقتداء فإذا زل حملت زلته عنه قولًا كانت أو فعلا لأنه موضوع منارًا يُهتدى به فإن علم كون زلته زلة صغرت في أعين الناس وجسر عليها الناس تأسيا به وتوهموا فيها رخصة علم بها ولم يعلموها هم تحسينا للظن به وإن جهل كونها زلة فأحرى أن تحمل عنه محمل المشروع وذلك كله راجع عليه. انتهى
و في الموقف تُجاه هذه الزلات، قال [5] الإمام الشاطبي: لابد من النظر في أمور تبنى على هذا الأصل:
(1) - سير أعلام النبلاء 14/ 40
(2) - إعلام الموقعين 2/ 173
(3) - الموافقات 1/ 1/91
(4) - نفس المصدر 3/ 317
(5) - نفس المصدر 4/ 170