وأخذه عن عبد الرحمن عبد الله بن وهب."اهـ"
الشرح:
1 -أسباب الاختلاف في التفسير
بعد أن بيَّن الشيخ -رحمه الله- اختلاف التضاد واختلاف التنوع بأصنافه؛ انتقل إلى عرض أسباب الاختلاف في التفسير، فمنها ما يرجع إلى النقل ومنها ما هو راجع إلى الاستدلال:
أ- المنقول:
-النقل عن معصوم: المرفوع إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وهو في غاية القلة.
-النقل عن غير المعصوم: موقوفات الصحابة وأقوال التابعين، والتي قد تكون مأخوذة عن الصحابي.
ويمكن تصنيف المنقول -عن المعصوم وغير المعصوم- حسب درجة صحته؛ فبعضه لا يمكن الجزم بصحته ولا فائدة فيه ولا تترتب عليه أحكام [1] ، وأغلبها من الإسرائليات المليئة بالغرائب، وإن كنا لا نصدق به ولا نكذبه
(1) قال الشاطبي في (الموافقات) :"قرأ عمر بن الخطاب {وفاكهة وأبا} وقال: هذه الفاكهة، فما الأب؟ ثم قال: نهينا عن التكلف، وفى القرآن الكريم: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربى} الآية، وهذا بحسب الظاهر يفيد أنهم لم يجابوا وأن هذا مما لا يحتاج إليه في التكليف، وروى أن أصحاب النبى - صلى الله عليه وسلم - ملوا ملة فقالوا: يا رسول الله، حدثنا، فأنزل الله تعالى: {الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها} الآية، وهو كالنص في الرد عليهم فيما سألوا وأنه لا ينبغي السؤال إلا فيما يفيد في التعبد لله، ثم ملوا ملة فقالوا: حدثنا حديثا فوق الحديث ودون القرآن، فنزلت سورة يوسف، انظر الحديث في فضائل القرآن لأبى عبيد وتأمل خبر عمر بن الخطاب مع ضبيع في سؤاله الناس عن أشياء من القرآن لا ينبني عليها حكم تكليفي، وتأديب عمر له، وقد سأل ابن الكواء علي بن أبى طالب عن: {الذاريات ذروا فالحاملات وقرا} الخ، فقال له علي:"ويلك سل تفقها ولا تسأل تعنتا"، ثم أجابه فقال له: ابن الكواء، أفرأيت السواد الذي في القمر؟ فقال: أعمى سأل عن عمياء، ثم أجابه ثم سأله عن أشياء، وفي الحديث طول، وقد كان مالك بن أنس يكره الكلام فيما ليس تحته عمل ويحكي كراهيته عمن تقدم، وبيان عدم الاستحسان فيه من أوجه متعددة منها أنه شغل عما يعني من أمر التكليف الذي طوقه المكلف بما لا يعني؛ إذ لا ينبني على ذلك فائدة لا في الدنيا ولا في الآخرة، أما في الآخرة فإنه يسأل عما أمر به أو نهى عنه، وأما في الدنيا فإن عمله بما علم من ذلك لا يزيده في تدبير رزقه ولا ينقصه، وأما اللذة الحاصلة عنه في الحال فلا تفي مشقة اكتسابها وتعب طلبها بلذة حصولها، وإن فرض أن فيه فائدة في الدنيا؛ فمن شرط كونها فائدة شهادة الشرع لها بذلك، وكم من لذة وفائدة يعدها الإنسان كذلك وليست في أحكام الشرع إلا على الضد كالزنى وشرب الخمر وسائر وجوه الفسق والمعاصي التي يتعلق بها غرض عاجل، فإذا قطع الزمان فيما لا يجنى ثمره في الدارين مع تعطيل ما يجنى الثمرة من فعل ما لا ينبغي، ومنها أن الشرع قد جاء ببيان ما تصلح به أحوال العبد في الدنيا والآخرة على أتم الوجوه وأكملها، فما خرج عن ذلك؛ قد يظن أنه على خلاف ذلك وهو مشاهد في التجربة العادية؛ فإن عامة المشتغلين بالعلوم التي لا تتعلق بها ثمرة تكليفية تدخل عليهم فيها الفتنة والخروج عن الصراط المستقيم ويثور بينهم الخلاف والنزاع المؤدي إلى التقاطع والتدابر والتعصب حتى تفرقوا شيعا، وإذا فعلوا ذلك خرجوا عن السنة، ولم يكن أصل التفرق إلا بهذا السبب؛ حيث تركوا الاقتصار من العلم على ما يعنى وخرجوا إلى ما لا يعني، فذلك فتنة على المتعلم والعالم وإعراض الشارع مع حصول السؤال عن الجواب من أوضح الأدلة على أن اتباع مثله من العلم فتنة أو تعطيل للزمان في غير تحصيل، ومنها أن تتبع النظر في كل شيء وتطلب علمه من شأن الفلاسفة الذين يتبرأ المسلمون منهم ولم يكونوا كذلك إلا بتعلقهم بما يخالف السنة؛ فاتباعهم في نحلة هذا شأنها خطأ عظيم وانحراف عن الجادة ووجوه عدم الاستحسان كثيرة". اهـ