لفتة بديعة منه -رحمه الله-، فمن جمع عبارات السلف في تفسير الآية؛ وصل بيسر وأمان إلى المعنى العام، إما لحصول زيادة بيان سببها اجتماع معاني الكلمات المفسرة بها، فيتصور المعنى الكلي العام بتمامه وتجتمع عنده جزئياته ويحيطه من جميع جوانبه لاختلاف زوايا الرؤية وتنوعها، كذلك كثرة التمثيلات تقدح في ذهن المتلقي فيتوصل إلى عامل مشترك بينها يسهل عليه نظمها وإدراجها تحت نوع عام واحد فينضبط عنده المعنى، وهذه اللفتة تشبه المسلك الذي أشار إليه العلامة ابن دقيق العيد في التعامل مع طرق الحديث الواحد إذا اختلفت ألفاظه، فدل إلى جمعها وإحصاء الأمور المذكورة فيها ثم يأخذ منها بالزائد فالزائد.
ثم أشار الشيخ إلى وجود اختلاف محقق بين السلف في التفسير -كالقَرْء- مثل ما وجد اختلاف بينهم في الأحكام، رغم وجود الخلاف فإنه من المعلوم أن وجوده في بعض المسائل بين الفقهاء لا يوجب ريبًا في جمهور أصول ذلك الباب كتنوع صيغ دعاء الاستفتاح وهيئات الصلاة وصيغ الأذكار والتشهد والأذان والإقامة، وخص بالذكر مسائل الفرائض فأغلبها متفق عليها بين الجمهور في ما خلا مسائل نادرة الوقوع اختلفوا فيها كالمشركة -وتسمى بالحمارية أيضا-، وكاجتماع الجد والإخوة؛ فعامة الأحكام مجمع على كثير من أصولها بين الفقهاء مثل ما أن أغلب القرآن بيّن بنفسه كما تقدم لنا.
3 -قوله:"والاختلاف قد يكون لخفاء الدليل أو لذهول عنه، وقد يكون لعدم سماعه، وقد يكون للغلط في فهم النص، وقد يكون لاعتقاد معارض راجح، فالمقصود هنا التعريف بجمل الأمر دون تفاصيله":
وقد فصلها في رسالته المعروفة ب (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) [1] . وقد تعرضنا لبعض أسباب الاختلاف في التفسير:
(1) قال -رحمه الله-:"وجميع الأعذار ثلاثة أصناف: أحدها: عدم اعتقاده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قاله، والثاني: عدم اعتقاده إرادة تلك المسألة بذلك القول، والثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ. وهذه الأصناف الثلاثة تتفرع على أسباب متعددة: السبب الأول: أن لا يكون الحديث قد بلغه، والسبب الثاني: أن يكون الحديث قد بلغه لكنه لم يثبت عنده، السبب الثالث: اعتقاد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، السبب الرابع: اشتراطه في خبر الواحد العدل الحافظ شروطًا يخالفه فيها غيره، السبب الخامس: أن يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده لكن نسيه، وهنا يرد في الكتاب والسنة، السبب السادس: عدم معرفته بدلالة الحديث، السبب السابع: اعتقاده أن لا دلالة في الحديث والفرق بين هذا وبين الذي قبله أن الأول لم يعرف جهة الدلالة، والثاني عرف جهة الدلالة لكن اعتقد أنها ليست صحيحة، السبب الثامن: اعتقاده أن تلك الدلالة قد عارضها ما دل عل أنها ليست مراده، السبب التاسع: اعتقاده أن الحديث معارض بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله إن كان قابلًا للتأويل بما يصلح أن يكون معارضًا بالاتفاق، السبب العاشر: معارضته بما يدل على ضعفه أو نسخه أو تأويله مما لا يعتقده غيره أو جنسه معارضًا أو لا يكون في الحقيقة معارضًا راجحًا. فهذه الأسباب العشرة ظاهرة وفي كثير من الأحاديث يجوز أن يكون للعالم حجة في ترك العمل بالحديث لم نطلع نحن عليها، فإن مدارك العلم واسعة ولم نطلع نحن جميع ما في بواطن العلماء .."اهـ باختصار من (رفع الملام) .