فأهل الإثبات - (أي الذين يثبتون الصفات في مقابلة النفاة"نفاة الصفات"المعطلة- متفقون على إثبات العلو، ولكن لهم قولان في تفسير قوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} :
-القول الأول مبني على القول بتناوب حروف الجر: أي أن حرف"في"هنا بمعنى"على"، واستدلوا بأن هذا من التناوب بين الحروف وقد جاء في اللغة كثيرا بل في القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: {قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ} ، فليس المعنى أنهم يدخلون في جوف الأرض بل المراد السير عليها، وكقوله تعالى في قصة موسى -عليه السلام-: {وَلأصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} ، ومعلوم أنه لن يدخلهم في الجذوع وإنما يصلبهم عليها إلي غير ذلك.
-القول الثاني: أن السماء اسم جنس لكل ما علا، فإذا قيد بشيء معين تقيد به.
"في السماء"أي في العلو، وليست السماء المبنية، ومنه قوله تعالى: {أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا} ، فالمراد العلو لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ.
قال ابن تيمية:"السلف والأئمة وسائر علماء السنة إذا قالوا:"إنه فوق العرش، وإنه في السماء فوق كل شيء"؛ لا يقولون إن هناك شيئا يحويه أو يحصره أو يكون محلا له أو ظرفا ووعاء، سبحانه وتعالى عن ذلك، بل هو فوق كل شيء، وهو مستغن عن كل شيء، وكل شيء مفتقر إليه، وهو عالٍ على كل شيء، وهو الحامل للعرش ولحملة العرش بقوته وقدرته، وكل مخلوق مفتقر إليه، وهو غني عن العرش وعن كل مخلوق. وما في الكتاب والسنة من قوله: {أأمنتم من في السماء} ونحو ذلك قد يفهم منه بعضهم أن"السماء"هي نفس المخلوق العالي؛ العرش فما دونه، فيقولون: قوله {في السماء} بمعنى"على السماء"، كما قال: {ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع النخل، وكما قال: {فسيروا في الأرض} أي:"على الأرض". ولا حاجة إلى هذا، بل"السماء"اسم جنس للعالي، لا يخص شيئا، فقوله: {في السماء} أي: في العلو دون السفل، وهو العلي الأعلى فله أعلى العلو، وهو ما فوق العرش، وليس هناك غيره العلي الأعلى سبحانه وتعالى". اهـ