* مثال: قوله تعالى: {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ} ، الأصل أن فعل"شرب"يتعدى بحرف الجر"من"، قال تعالى: {فمن شرب منه} ، ولكن فعل شرب ضُمن معنى يروى فساغ تعديته بحرف الجر"الباء"فصار معنى الآية:"عينا يروى بها عباد الله"، والري أكمل من الشرب، فقد تشرب ولكن لا ترتوي، وقال آخرون أن حرف الجر"الباء"ناب عن حرف الجر"من"، والقول بالتضمين أظهر من القول بتناوب الحروف لوجود زيادة في المعنى، قال ابن القيم:"يُضمنون"يشرب"معنى"يُروَى"فيعدُّونه بالباء التي تطلبها، فيكون في ذلك دليل على الفعلين؛ أحدهما بالتصريح، والثاني بالتَّضمُّن، والإشارة إليه بالحرف الذي يقتضيه مع غاية الاختصار، وهذا من بديع اللغة ومحاسنها وكمالها .. وهذا أحسن من أن يقال يشرب منها؛ فإنه لا دلالة فيه على الريّ، وأن يقال يُروى بها، لأنه لا يدل على الشرب بصريحه، بل باللزوم، فإذا قال: يشرب بها، دل على الشرب بصريحه، وعلى الري عن طريق الباء فتأمله".
* تطبيق: أهل الإثبات متفقون على أن الله تعالى مستوٍ على عرشه فوق سمائه وفوق جميع خلقه، وهو صريح منطوق الكتاب والسنة، فمذهب أهل السنة أن علو الله تعالى على عرشه وعلى جميع خلقه يعني كونه سبحانه وتعالى فوق المخلوقات كلها: فوق السماء وفوق الجنة وفوق العرش، وأنه -سبحانه وتعالى- لا يحويه شيء من هذه المخلوقات ولا يحتاج إلى شيء منها، بل هو خالقها والقيوم عليها، وأن النصوص التي تصف الله تعالى بأنه"في السماء"تعني أنه سبحانه عالٍ على خلقه ولا تعني أنه -عز وجل- تحويه السماء وتحيط به، كما يشغب بعض المبتدعة الذين قالوا:"لو سلمنا بأن الله بالسماء لوقعنا في التشبيه لأن الله يصبح محويا والسماء حاوية له وهذا لا يجوز لأن الله لا يحيط به مخلوق"، وتأولوا الآية ليعطلوا صفة العلو، وهذا منهم جهل فاضح لأن السماء اسم جنس للعلو وليست السماء المخلوقة، أو يقال بأن حرف الجر"في"هنا بمعنى:"على"أي: على السماء، قال ابن أبي العز الحنفي في شرح (العقيدة الطحاوية) : ا"لتصريح بأنه تعالى في السماء، وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون (في) بمعنى (على) ، وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك ولا يجوز الحمل على غيره". اهـ