أن يجمعه في صدره، وأن ييسره لأدائه على الوجه الذي ألقاه إليه، وأن يبينه له ويفسره ويوضحه. فالحالة الأولى جمعه في صدره، والثانية تلاوته، والثالثة تفسيره وإيضاح معناه؛ ولهذا قال: {لا تحرك به لسانك لتعجل به} أي: بالقرآن، كما قال: {ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما} ، ثم قال: {إن علينا جمعه} أي: في صدرك، {وقرآنه} أي: أن تقرأه، {فإذا قرأناه} أي: إذا تلاه عليك الملك عن الله -عز وجل-، {فاتبع قرآنه} أي: فاستمع له، ثم اقرأه كما أقرأك، {ثم إن علينا بيانه} أي: بعد حفظه وتلاوته نبينه لك ونوضحه، ونلهمك معناه على ما أردنا وشرعنا"."
فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمهمة البيان أتمَّ قيام، وبلغ رسالات ربه وأدى الأمانة كاملة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده وترجم معاني القرآن لأصحابه بالقول والعمل والإقرار وبأخلاقه؛ فكان لهم نعم الأسوة، لما سألت أمنا عائشة -رضي الله عنها- عن خلق النبي قالت:"كان خلقه القرآن"، حتى قال الإمام الشافعي:"كل ما حكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - فهو مما فهمه من القرآن".
فجاء تفسيره - صلى الله عليه وسلم - لبيان مجمل أو تجلية لمشكل أو تقييدا لمطلق أو تخصيصا لعام ومن أمثلة ذلك:
-بيان المجمل:
قوله تعالى: {أقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة} ، وهو أمر مجمل لا يمكن العمل به إلا بعد أن فسرته السنة ووضحت مواقيت الصلاة وعدد ركعاتها وكيفيتها وهيئاتها وبينت مقادير الزكاة والنصاب كذلك أيضا المناسك كما في الحديث: (خذوا عني مناسككم) .
-إيضاح مشكل وإزالة لبس:
كما في قوله - صلى الله عليه وسلم: (من حوسب عُذّب) ، قالت عائشة -رضي الله عنها-: فقلت:"أوليس يقول الله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا} ؟ قال: (إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك) ."
وعن عدي بن حاتم -رضي الله عنه- قال: لما نزلت: {حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ} ،