"قال بشر: يا أمير المؤمنين، قد أقر بين يديك أن القرآن شيء، فليكن عنده كيف (شاء) فقد اتفقنا على أنه شيء، وقال الله -عز وجل- بنص التنزيل: إنه {خالق كل شيء} ، وهذه لفظة لم تدع شيئا إلا أدخلته في الخلق ولا يخرج عنها شيء ينسب إلى الشيء لأنها لفظة استقصت الأشياء، وأنت عليها مما ذكر الله تعالى ومما لم يذكرها فصار القرآن مخلوقا بنص التنزيل بلا تأويل ولا تفسير."
قال عبد العزيز: فقلت: يا أمير المؤمنين، علي أن أكسر قوله وأكذبه فيما قال بنص التنزيل حتى يرجع أو يقف أمير المؤمنين على كسر قوله وكذبه وبطلان ما ادعاه. فقال: هات ما عندك يا عبد العزيز، فقلت: يا أمير المؤمنين، قال الله -عز وجل-: {تدمر كل شيء بأمر ربها} ، يعني الريح التي أرسلت على عاد، فهل أبقت الريح يا بشر شيئا لم تدمره، قال: لا، لم يبق شيء إلا دمرته، وقد دمرت كل شيء كما أخبر الله تعالى لأنه لم يبق شيء إلا وقد دخل في هذه اللفظة. قلت: قد أكذب الله من قال هذا بقوله: {فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم} ، فأخبر عنهم أن مساكنهم كانت باقية بعد تدميرهم، ومساكنهم أشياء كثيرة. وقال -عز وجل-: {ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم} ، وقد أتت الريح على الأرض والجبال والمساكن والشجر وغير ذلك فلم يصر شيئا منها كالرميم، وقال -عز وجل-: {وأوتيت من كل شيء} يعني بلقيس، فكأن بقولك -يا بشر- يجب ألا يبقى شيء يقع عليه اسم الشيء إلا دخل في هذه اللفظة وأوتيته بلقيس، وقد بقي ملك سليمان وهو مائة ألف ضعف مما أوتيته لم يدخل في هذه اللفظة. فهذا كله مما يكسر قولك ويدحض حجتك، ومثل هذا في القرآن كثير مما يبطل قولك، ولكني أبدأ بما هو أشنع وأظهر فضيحة لمذهبك وأدفع لبدعتك: قال الله -عز وجل-: {ولا يحيطون بشيء من علمه} ، وقال: {لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه والملآئكة يشهدون وكفى بالله شهيدا} .
والله أعلم.