الصفحة 173 من 379

أرأيت إلى الإبداع في التعبير؟ ألا إنه الإعجاز!

والوقفة الثانية عند كلمة"العلماء":"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء"..

فمن كثرة تداولنا لكلمة العلم والعلماء في عصرنا الحاضر، يخطر في بالنا -بلا تدبر- أن المقصود هم العلماء بمعنى رجال العلوم .. من أطباء ومهندسين وعلماء حياة .. الخ خاصة وأن الظاهرة المذكورة هنا هي من الظواهر"العلمية"التي يشتغل بها أولئك"العلماء". ثم ننظر حولنا في الجاهلية المعاصرة فنرى الكثرة الغالبة من هؤلاء أقرب إلى الإلحاد والكفر منهم إلى الإيمان!

فينبغي أولًا أن نرجع إلى دلالة التعبير القرآني ..

العلماء هم"الذين يعلمون"وهم"أولو الألباب"الذين وصفهم القرآن في أكثر من موضع، ومن أقربها -في دراستنا هذه- سورة الرعد:

"أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ، الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ، وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ، وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ" [1] .

هؤلاء هم"العلماء"الذين يقصدهم القرآن، ويصفهم هنا بأنهم هم -من بين عباد الله- الذين يخشون الله.

بل إن السياق هنا ليصفهم في الآية التالية مباشرة:"إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ".. فهؤلاء هم العلماء وتلك صفاتهم أو أعمالهم التي تعطيهم صفة العلماء ..

حقيقة إن من نسميهم في اصطلاحنا الحاضر"علماء"بمعنى رجال العلوم هم أحرى أن يدركوا عظمة الخلق وإعجازه .. ولقد آمن بعض هؤلاء بالفعل -بعد إلحاد- لما تكشف لهم في بحوثهم العلمية أن هذه المعجزات الدقيقة في بناء الذرة أو الخلية الحية لا يمكن أن تحدث اتفاقًا، وأنه لا بد لهم من موجد عظيم القدرة دقيق العلم ..

هذا كله حقيقة .. ولكن يظل للتعبير القرآني دلالته القرآنية .. ويظل معنى"العلماء"أي الذي يعلمون حقيقة الألوهية على المنهج الإيماني .. فتتحول المعرفة عندهم إلى مشاعر وجدانية وسلوك عملي .. ويمكن أن يدخل في مفهومها رجال العلم هؤلاء، إذا تفتحت بصيرتهم لقدرة الله المعجزة فعلموا من حقيقة الألوهية ما يجعلهم أشد خشية لله وأشد امتثالًا لأمره .. وبهذه الصفة وحدها يصبحون"علماء"لا بتخصصاتهم العلمية التي تزيغ قلوب أكثرهم بدلًا من أن تردها إلى الله، لأن القاعدة الجاهلية التي يقيمون عليها حياتهم تجعلهم أكثر بعدًا من الله كلما تعلموا شيئًا جديدًا من كون الله!!

ونعود إلى السياق يفصل أحوال"العلماء"الذين هم من بين عباد الله أكثرهم خشية لله:

(1) سورة الرعد: 19 - 22.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت