الصفحة 172 من 379

وهذه الظاهرة ملحوظة ولا شك .. ولكنها من أشد ما يتبلد عليه الحس نتيجة الإلف والعادة والتكرار .. وإن كل واحد منها لمما يهز الوجدان المتفتح هزًا، ويتوجه به توجهًا إلى الله الخالق القادر المعجز القدرة ..

وقفة واحدة عند الثمرات المختلفة الألوان كفيلة بأن يخشع الوجدان لله .. فما هذه القدرة المعجزة التي تنبت النبات بهذا التنوع الأخاذ .. كل نبات له لون، ولا يكاد يلتقي لونان اثنان منها على تعددها الذي يفوق الحصر! حتى"الخضرة"التي تصف بها النبات ما هي خضرة واحدة! إنما ظلال مختلفة متباينة من الخضرة .. أما"الثمرات"فحدث عن اختلاف ألوانها ما شاء لك الحديث! واستخدم أدق الألفاظ المعبرة عن الألوان وظلال الألوان .. فمتى تفرغ من الوصف؟ وهذا لون واحد من ألوان التنوع والاختلاف .. ؟!

ووقفة واحدة عند الجبال المتباينة المتداخلة الألوان تذهل الإنسان عجبًا! يا لله! ما هذه الدقة العجيبة في التلوين؟ وكيف تأتّى للصخرة الواحدة أن تتداخل فيها الألوان وتتباين بهذه الصورة؟ وهل هي صخور تلك أم معارض ألوان؟! وإنها لهكذا منذ ملايين السنين بوقفتها الشامخة هذه وتعدد ألوانها .. حتى من قبل أن يوجد الإنسان!

ووقفة واحدة عند ألوان البشر المختلفة، وألوان الدواب والأنعام المختلفة، حرية بأن تثير العجب والدهشة في قلب الإنسان: هذا الأصفر والأحمر والأبيض والأسود والأسمر .. كلهم بشر! كلهم من نوع واحد! ويلتقون بألوانهم المختلفة هذه فيأخذك التقاؤهم وتنوعهم في آن! كلهم بشر .. تلك نقطة الالتقاء .. وبعد ذلك كل منهم عالم وحده! تمامًا كالجبال التي منها جدد بيض وحمر وغرابيب سود .. وكالثمرات المختلفة الألوان .. وكذلك عالم الدواب والأنعام.

ألا إنه للإعجاز في الخلق .. ألا إنها للقدرة القادرة التي تبدع على غير مثال ..

ولقد كان الوجدان البشري حريًا ألا يتبلد على هذه المعجزة أبدًا! فهي -وحدها- لو ظل الإنسان حياته كلها يتأملها، لملأت حياته كلها تأملًا وعجبًا .. ثم لا ينفد العجب والتأمل ولو نفدت الحياة!

ولكن البشر مع الأسف يمرون على هذه الظاهرة المذهلة متبلدين .. بل إنهم كذلك ليكفرون!

"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء"!

إنهم هم الذين تنفعل وجداناتهم بهذه الظاهرة المعجزة، فيتلقونها بكل شحنتها، ويدركون دلالتها: إنه الله الخالق المبدع المصور .. فتخشع قلوبهم لذلك الإله القادر، ويخشونه كما ينبغي لجلاله وعظمته .. فيغفر الله لهم وهو العزيز القادر:

"إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ"..

وقبل أن نمضي مع السياق في الحديث المفصل عن أولئك الذين يخشون ربهم نقف وقفتين مع هذه المجموعة من الآيات:

إن المقصود هو لفت الحس البشري إلى ظاهرة التنوع في الخلق، التي يتبلد عليها الحس بحكم الإلف والعادة .. ولكن السياق لا يكتفي بلفت النظر -بالحديث المباشر- إلى ظاهرة التنوع هذه، وإنما يلفت النظر إليها عن طريق أسلوب التعبير ذاته بطريقة معجبة ومعجزة في آن! اقرأ الآيتين مرة أخرى ثم قف عند هذه الظاهرة اللغوية:

"مختلفًا ألوانها".

"مختلفٌ ألوانها".

"مختلفٌ ألوانه".

أرأيت؟! إن الاختلاف والتنوع يُعبر عنه بتنويع العبارة اللغوية الواحدة ثلاث مرات، مع كل نوع من أنواع الخلق الثلاثة: الجماد والنبات والحيوان! وهي عبارة واحدة في معناها العام، ولكنها تأخذ شكلًا -إعرابيًا- جديدًا في كل مرة، كما أن النبات كله واحد في المعنى العام، ويختلف لونه في كل مرة، والجبال كلها واحد في المعنى العام، ويختلف لونها في كل مرة، والناس والدواب والأنعام كل منها واحد في المعنى العام، وتتخذ شكلًا مختلفًا في كل مرة!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت