الصفحة 171 من 379

وما ذلك عن قِلي من الله للمؤمنين ولا تخل عنهم! ولا هو كذلك عن حب للظالمين ونصر لهم وهم على الباطل، كما يزعم الظالمون تحديًا للمؤمنين وهم يعذبونهم! يقولون لهم: لو كنتم على الحق ما نصرنا الله عليكم!

إنما هو يملي لهم سبحانه ليفعلوا ذلك وليقولوا ذلك! ثم يأخذهم بغتة وهم في قمة السلطة وقمة التحدي!"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ" [1] وكذلك"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ" [2] .

أما المعذبون في الأرض -لهم الله- فإنما يمحصهم الله للحق في الحياة الدنيا بهذا الابتلاء .. ثم"يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ" [3] .

وبعد أن يفعل النذير فعله في نفوس المستمعين، يعود بهم إلى آية من آيات الله المعجزات -ردًا على طلبهم المتكرر للآية- ولكنه في هذه المرة كأنما لا يوجه الخطاب إليهم هم، وإن كانوا في الحقيقة ممن يوجّه الخطاب إليهم .. إنما يغضى عنهم ويتحدث حديثًا مفصلًا عن المؤمنين:

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ".

"أَلَمْ تَرَ .."الحديث موجه إلى الجميع، مكذبين ومؤمنين .. ولكن الآية تنتهي بذكر المؤمنين وحدهم، لأنهم هم الذين يدركون دلالة هذه الآية فيزدادون لربهم طاعة وعبادة وخشية ..

والآية هي الاختلاف الواضح في الأشياء التي خلقها الله في الكون، والتنوع الملحوظ في الكائنات ذات النوع الواحد!

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا".

تذكرنا بالإشارة المماثلة في سورة الرعد:"وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ" [4] ولكن لكل إشارة طعمًا وجوًا خاصًا وإن تشابهت الإشارات في الظاهر [5] .

التنوع الأول المشار إليه هو في الثمرات المختلفة الألوان وهي تسقى بالماء الواحد النازل من السماء.

والتنوع الثاني في الجبال:"وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ".

والتنوع الثالث في الناس والدواب والأنعام:"وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ".

فهذه أنواع الكائنات الثلاثة: الجماد والنبات والحيوان [ومعه الإنسان] ، والاختلاف حادث فيها جميعًا، بمشيئة الله وقدره وقدرته .. فما يمكن إلا للإله القادر سبحانه أن يحدث هذا التنويع العجيب في جميع الكائنات ..

(1) سورة الأنعام: 44 - 45.

(2) سورة النحل: 25.

(3) سورة الزمر: 10.

(4) سورة الرعد: 4.

(5) انظر الفصل التالي"ظاهرة التكرار في القرآن".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت