الصفحة 170 من 379

إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو المبلغ في الحالتين، حالة الذين يستجيبون والذين لا يستجيبون، وهو في الحالتين مبلغ عن الله وليس من عند نفسه .. ولكن التعبير يقول إن الله هو الذي يفتح قلوب المؤمنين للحق فيستجيبون للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وذلك معنى"إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ"وأما الذين انطمست بصيرتهم فإن الله يحجب قلوبهم عن الحق، فمهما دعاهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهم لا يستجيبون. وفي الحالين فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لا يملك لأحد الهدى أو الضلال:

"إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ"..

فليست مهمة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يفتح قلوب الناس للهدى .. فهذا من شأن الله سبحانه وتعالى"يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ"أما الرسل عليهم صلوات الله وسلامه فمهمتهم الإنذار فحسب .. مهمتهم التبليغ عن الله:

"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ".

وهذا إعلان رباني بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مرسل من عند ربه"بالحق".. في وجه المكذبين بالوحي والرسالة. وإعلان كذلك بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ليس بدعًا من الرسل، ولا العرب المكذبون بدع من الأمم! فما من أمة إلا خلا فيها نذير. فليس إرسال الرسول -صلى الله عليه وسلم- إليهم أمرًا جديدًا ولا غريبًا في تاريخ البشرية حتى يعجبوا له كل هذا العجب ويكذبوه كل هذا التكذيب.

"وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ".

فليس هؤلاء إذن أول المكذبين! كل أمة قبلهم قد كذبت رسولها! فلا تأس عليهم، ولا تعجب من أمرهم! ولا تحسبن أنهم يكذبون لنقص في البيان أو الحجة والبرهان! فقد حدث التكذيب ممن قبلهم مع أن رسلهم جاءتهم بالبيان الكافي وبالكتب المنزلة من عند الله .. فالتكذيب إذن حالة مرضية غير قابلة للشفاء! ولن يشفيها على أي حال إرسال آية كما يزعم المكذبون! إنما الأَولى أن يواجهوا بالنذير! وهم يعرفون صدق النذير فقد أصاب الأمم المكذبة من قبل:

"ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ".

إنه معروف فلا يحتاج إلى بيان .. إنه الحق الشامل والتدمير!

ونقف وقفتين سريعتين مع السياق:

"إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ، إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ".

إن مهمة الرسل هي البشارة والإنذار معًا. وواضح ذلك من قوله تعالى"إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا"ولكن قبل ذلك يقول له:"إِنْ أَنتَ إِلَّا نَذِيرٌ"وبعد ذلك يقول:"وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ".. وواضح تغليب النذير هنا، وهو أحد وجهي الرسالة، لمناسبة ذلك للتكذيب الذي يصر عليه المشركون من ناحية، وللإنذار الوارد في الآية من بعد:"ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ".

والوقفة الثانية عند"ثم"في الآية الأخيرة:"ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ".

إن لها أمثلة أخرى في القرآن:"فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ" [1] "فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ" [2] .. وإن لها لدلالة! إن الله لا يأخذ المكذبين لتوِّهم بمجرد أن يكذبوا كما يتمنى المؤمنون وهم واقعون في قلب الطغاة يعذبونهم في فترة الابتلاء! كلا! إنه على العكس من ذلك يملي للظالمين، فيزدادون عتوًا وتشتد وطأتهم على المؤمنين!

(1) سورة الرعد: 32.

(2) سورة الحج: 44.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت