وهذا الحديث موجه"للناس"كافة:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ ..."ولكن الذي يستمع إليه ويعيه ويعمل به هم المؤمنون وحدهم:
"إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ".
و"الإنذار"في حقيقته موجه للناس جميعًا. ولكن المقصود أن الذين يستجيبون للنذير ويتأثرون به هم المؤمنون"الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالغَيْبِ"والذين أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة .. وهي صفات المؤمنين الأصيلة: يؤمنون بالغيب، لأن الله لا تدركه الأبصار سبحانه، إنما يؤمن به الإنسان إيمانًا بالغيب، ويقيمون الصلاة التي هي صلة القلب المؤمن بالله، ويزكون أموالهم بأداء حق الله فيها [1] .. ولكن التعبير هنا يضيف إضافة تتناسب مع قوله تعالى فيما سبق:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ ..."فهو لا يقول هنا: أقاموا الصلاة وأتوا الزكاة .. إنما يشير إلى إيتاء الزكاة عن طريق غير مباشر حين يقول:"وَمَن تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ"وكأن المعنى هكذا: إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، ومن تزكى فإنما يتزكى لنفسه. لأن الله غني عن زكاة العباد، إنما يتزكى الإنسان لنفسه رجاء المثوبة من عند الله.
"وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ".
فالإنسان صائر إلى الله بأعماله التي عملها في الدنيا، وهنا يتلقى جزاءه على تلك الأعمال: إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
وبمناسبة العمل في الدنيا، الذي يصير به الإنسان إلى الله في الآخرة يقول:"وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ".. الأعمى الذي عميت بصيرته عن طريق الحق، لا يستوي مع البصير الذي رأى الطريق فاتبعه ابتغاء مرضاة الله:
"وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ، وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ، وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ".
وكما لا يستوي الأعمى والبصير كذلك لا تستوي الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور .. وكلها أشياء حسية مشاهدة قريبة إلى البديهة .. ولكن المشبه بها وهو الكفر والإيمان يغيب على الحس المغلق والبصيرة المطموسة، فلا تتبين أن الكفر هو العمي وهو الظلمات وهو الحر اللافح، ولا تتبين كذلك أن الإيمان هو البصر وهو النوار وهو الظل الظليل .. لأن تلك البصائر المطموسة ترى الأشياء مقلوبة، فترى ذلك هذا، وهذا ذاك .. ويخيل إليها أن الإيمان هو القيد، وهو التعب والمشقة، وهو الخسران؛ وأن الكفر هو الطلاقة وهو اليسر وهو المكسب المضمون!
"وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاء وَلَا الْأَمْوَاتُ ..".
وتلك بديهية حسية كذلك. ولكن المقصود من ورائها، الذي لا تدركه الفطر المنكوسة أن الإيمان هو الحياة الحقة .. حياة القلوب والنفوس والأرواح. وأن الكفر هو الموت .. موت الشعور وموت القلوب وتبلد الإحساس ..
"إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ".
فأما"الأحياء"الذين يستجيبون للحق فإن الله يُسمعهم الحق فيستجيبون له، وأما"الأموات"الذين"في القبور"ولو كانوا في عداد الأحياء بأجسادهم دون أرواحهم التي قتلها الكفر .. أما هؤلاء فلن تستطيع أن تُسْمِعَهم مهما دعوتهم! لأن الموتى لا يسمعون.
ويستوقفنا هنا التعبير:"إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَن يَشَاءُ""وَمَا أَنتَ بِمُسْمِعٍ مَّن فِي الْقُبُورِ"!
(1) انظر نفس الصفات في أول سورة البقرة.