إن الله لا يدعوكم إلى الإيمان لأنه في حاجة إليكم ولا إلى إيمانكم! فأنتم الفقراء إلى الله، وليس الله هو الفقير إليكم، سبحانه، بل هو الغني الحميد .. أنتم الفقراء المحتاجون .. الذين لا تستطيعون شيئًا على الإطلاق إلا بإذن الله ومشيئته. وجودكم ذاته كان بمشيئة الله وقدره وقدرته .. لا شيء منها يتم من تلقاء ذاته ولا بقدرتكم أنتم .. بينما الله هي الحي القيوم، القائم بذاته الغني بذاته، وليس في حاجة إلى أحد من خلقه ولا إلى شيء من خلقه .. فإذا دعاكم إلى الإيمان فليس لمصلحته هو سبحانه! إنما يدعوكم لمصلحتكم أنتم، ليثيبكم على الإيمان به في الآخرة جنات تجري من تحتها الأنهار أكلها دائم وظلها .. وفي الدنيا نظافة وطهارة وعزة واستعلاء واستقامة وتمكينًا في الأرض بالطيبات الصالحات ..
فأما إن أصررتم على كفركم وتكذيبكم فلستم بمعجزين في الأرض:
"إِن يَشَا يُذْهِبْكُمْ وَيَاتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ".
فإن الذي خلق السماوات والأرض بقدرته، وخلق فيهما من الآيات ما مر بيانه من قبل، لا يعجزه أن يذهب بكم ويستخلف من بعدكم من يشاء .. ولا يعز عليه ذلك وهو القادر الذي لا يحد قدرته شيء .. هذا في الدنيا. فأما في الآخرة فحساب آخر، تحاسب فيه كل نفس مفردة بما كسبت، ولا تزر فيه وازرة وزر أخرى، ولا يحمل أحد حمل أحد ..
"وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى".
وإن الوجدان ليهتز تأثرًا من هذه الصورة:"وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى".
إن منظر الإنسان الذي يحمل حملًا ثقيلًا ينوء به فيدعو الآخرين إلى التخفيف عنه منظر مألوف في الدنيا .. وفي المعتاد يخف الناس لمساعدته وتخفيف الحمل عنه .. فأما إن تصورناه واقفًا بحمله، ينوء به ظهره، ثم يدعو الناس في ضراعة أن يحملوا عنه شيئًا ليخف عنه الحمل فلا يستجيب له أحد .. ولو كان من ذوي قرباه .. إنها لصورة مؤثرة حقًا .. ومع ذلك فهي صورة الواقع يوم القيامة، حيث كل إنسان مشغول بنفسه، وبحسابه الخاص، لا يلتفت إلى غيره من الناس:"يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيه، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَانٌ يُغْنِيهِ" [1] "يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ، وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ، وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ، كَلَّا" [2] .
ويستوقفنا التعبير هنا بالمؤنث:"وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى".
المقصود بطبيعة الحال هو"النفس"مذكرة أو مؤنثة: وإن تدع نفس مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء .. ولو كان المدعو ذا قربى .. ولكن التعبير يعطي ظلًا معينًا حين يسمعه الإنسان لأول وهلة. إنه يعطي صورة الحامل المثقلة بحملها! وهو منظر أشد تأثيرًا في النفس من منظر الرجل المثقل بحمله! ثم يعطي صورة استحالة تخفيف الحمل! فمهما كانت الحامل مثقلة بحملها، فمن ذا الذي يملك أن يخفف عنها حملها، ولو كان ذا قربى؟! ومن هذه الصورة المؤثرة، التي يستحيل فيها تخفيف حملها، لأن كل إنسان مشغول بذاته، ولأنه لا يحق لأحد أن يحمل حمل أحد ولو كان راغبًا في ذلك!!
(1) سورة عبس: 34 - 37.
(2) سورة المعارج: 11 - 15.