أَبَعْدَ هذه الآيات كلها، التي تهز الوجدان هزًا بعظمة الخالق وقدرته المطلقة الدقيقة المعجزة .. بعد هذا كله يسأل سائل: أإذا كنا ترابًا أئنا لفي خلق جديد؟
يا له من سؤال شديد السخف بعد هذه الآيات! ويا لها من غفلة عجيبة تلك التي ينشأ عنها السؤال!
وفي أنسب لحظة ينطق بالحكم الحاسم عليهم ويحدد مصيرهم:"أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ الأَغْلاَلُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدونَ"!
ولا تجد نفسك إلا مؤمِّنًا تمامًا على هذا الحكم .. بل منفعلًا معه تمام الانفعال: نعم! هذا هو الجزاء الذي يستحقون!
إنه لإعجاز في منهج العرض، فوق الإعجاز في دقة التعبير ..
لو قدم قضية البعث -أو إنكار البعث- قبل إيراد هذه الآيات المعجزات، وقبل أن ينفعل بها وجدانك كل هذا الانفعال، فلربما مرت عليك القضية"باردة"لا تثير انفعالك ولا عجبك ولا استنكارك!
ولو عالجها علاجًا منطقيًا ذهنيًا على أنها قضية فلسفية فقال: كيف ينكرون البعث وإن قدرة الله لا تحد لأنه هو الذي خلق السماوات والأرض والشمس والقمر وأجرى الأنهار وأنبت الثمار .. الخ فلن يعجزه أن يبعث الموتى .. وهو الكلام الذي نستخدمه نحن بصورة أو أخرى في حديثنا البشرى عن قضايا العقيدة .. فلربما مرت بادرة كذلك، يتحرك بها الذهن ليناقشها وينظر في"أدلتها العقلية"ومدى سلامة المنطق المحتوية عليه .. !
فأما في صورتها القرآنية الفريدة، وفي مكانها هذا من السياق، فحين يقول لك:"وإن تعجب فعجب قولهم ..."فإن انفعال العجب والاستنكار ينبعث مع السياق حقًا، ويصل معه في النهاية إلى استحقاق هؤلاء الكامل لما وصفوا به، وما حكم عليهم به ..
و"الدليل العقلي"كما ترى موجود .. إذا شاء العقل أن يتدبره فسيجد فيه مجاله الكامل للتدبر ..
ولكن المسألة ليست هي وجود الدليل العقلي أو عدم وجوده .. إنها أهم من ذلك. إنها"الجهاز"الذي يتحرك لتلقي الإيمان .. أهو العقل! .. أو .. هل هو العقل بادئ ذي بدء؟ .. أو .. هل هو العقل وحده؟!
كلا! فليتحرك العقل كما يشاء .. و"ليناقش"من القضايا على مهل ما يشاء .. ولكنه ليس المخاطَبَ الأول بهذا السياق! لا لأن القرآن لا يخضع للعقل! أو لأن فيه ما لا يتفق مع العقل! ولكن لأن فيه ما هو أشمل من العقل. فيه ما يخاطب كل كيان الإنسان!
ويمضي السياق يعجّب من أحوال هؤلاء القوم وسلوكهم، بعد أن دمغهم في أنسب لحظة بوصفهم الحقيقي، ودفعهم إلى مصيرهم الذي يستحقونه بجدارة، و"المتفرجون"يعلنون موافقتهم التامة على الحكم والمصير ..
"وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ الْمَثُلاَتُ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ".
هؤلاء القوم العجيبون، الذين دعى"المتفرجون"من قبل إلى العجب من حالهم، يستعجلون الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يهلكهم إن كان صادقًا حقًا!
"وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا، أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا، أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا ..." [1] .
"وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" [2] .
(1) سورة الإسراء: 90 - 92.
(2) سورة الأنفال: 32 وهي من الآيات المكية في سورة الأنفال المدنية.