الصفحة 122 من 194

بفطرته يحب"المعرفة".. فيسعى - بقدر ما تتيح له أدواته ، وهي السمع والبصر وبقية الحواس - إلى التعرف على البيئة القريبة الملاصقة ، ثم المجاورة ، ثم ما تحمله إليه أدوات الحمل .. ويُعْملُ عقله في محاولة التعرف على طبيعة الأشياء التي يصادفها ، ومعرفة خواصها ، وكيفية الانتفاع بها ، فتتجمع عنده حصيلة من"المعلومات"تكون - مع التجربة والخبرة - جانبا من"المعرفة"المتاحة له . ويورث هذه المعلومات للجيل الذي يليه ، وهذا الجيل الجديد يجد معارف جديدة فيضيفها إلى معارفه الموروثة ، فتتسع دائرة المعرفة ، ثم تتعدد جوانبها وتتفرع ، وتصبح مهمة التلقين أعقد وأطول مدى ، فيتخصص لها"معلمون"ويحتاج الأمر إلى أماكن للتعليم يتلقى فيها الصغار حصيلة المعرفة المتاحة .. ثم تتوسع دور التعليم فتصبح مدارس ومعاهد وجامعات ، وتتوسع الأدوات فتصبح كتبًا وصحفا ومجلات .. وكمبيوترات !

ما الذي تغير ؟ حب المعرفة من حيث الجوهر ؟ أم وسائل المعرفة ؟

وقس على ذلك ما شئت !

وليس معنى ذلك بطبيعة الحال أن المستجدات كلها لا تضيف جديدا ولا تغير شيئا في حياة الإنسان ، بل هو في تغير دائم ، تختلف وتيرته من عصر إلى عصر ، ومن قطر إلى قطر ، ومن شخص إلى شخص .. ولكن الذي نريد أن نلفت النظر إليه أن هذا التغير الدائم - أيا كانت مساحته ، وأيا كانت أدواته ، وأيا كانت مجالاته - لا يغير الحقيقة الجوهرية للإنسان .. لا يغير دوافعه الأصيلة ، ولا أهدافه الأصيلة ، ولا غاية وجوده الأصيلة ، وهذا هو الذي تأبى الجاهلية المعاصرة أن تصدقه ، وعدم تصديقها إياه هو الذي يورثها الخبال !

مرة أخرى نعود إلى جوهر القضية ..

الخبل الأكبر هو في تصور"الإنسان".. حيوان مرة ، وإله مرة ، حصيلتهما هما الحيوان المتأله ، الذي يعيش حياته الدنيا بلا معاد !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت