وقد وردت قصة ماعز والغامدية بطرق متعددة ولم يأت فيها جلد النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم إياهما مائة جلدة قبل أن يرجمهما. وكذلك لم يذكر لنا أي حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالجلد مع الرجم في ما رفع إليه من قضايا الزنا، وإنما أمر بالرجم وحده في جميع القضايا المرفوعة إليه في الزنا بعد الإحصان. وقال عمر رضي الله عنه قد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وقد قرأنا"الشيخ والشيخة"إذا زنيا فارجموهما البتة"ورجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده .. وخطبة عمر هذه قد رواها البخاري ومسلم والترمذي والنسائي بمختلف الطرق، كما ذكر الإمام أحمد عدة روايات عنها في مسنده، ولكن ما جاء في أي رواية منها أن عمر جمع بين الجلد والرجم جدًا للزنا بعد الإحصان. وعلي بن أبي طالب هو وحده الذي جمع بين الجلد والرجم من الخلفاء الراشدين. فعن عامر الشعبي أن امرأة تسمى شُراحة الهمدانية جاءت إلى علي رضي الله عنه فاعترفت عنده بحملها من الزنا، فجلدها عليّ يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وقال جلدتها بكتاب الله ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. رواه البخاري وأحمد. ونحن لا نجد في تاريخ الخلافة الراشدة حادثة غير هذه الحادثة قد جُمع فيها بين الرجم والجلد. وعن جابر أن رجلًا زنى بامرأة فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فجلد، فأُخبر أنه كان أُحصن، فأمر به فرجم. رواه أبو داود والنسائي. وقد ذكرنا آنفًا عدة روايات تفيد أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر بالجلد فقط للزناة غير المحصنين كالرجل الذي زنى بامرأة خرجت للصلاة في المسجد. والرجل الذي اعترف بالزنا ولم تعترف به المرأة. وقد روي عن عمر أنه غرّب -نفى- ربيعة بن أمية بن خلف في الخمر إلى خيبر فلحق بهرقل فتنصر فقال عمر لا أُغرب بعده مسلمًا ولم يستثن الزنا. وعن علي أنه قال في البكرين إذا زنيا يجلدان ولا ينفيان وأن نفيهما من الفتنة (أحكام القرآن للجصاص ج 3 ص 315) ."
فبنظرة شاملة في جميع هذه الروايات، يتبين أن ما ذهب إليه أبو حنيفة وأصحابه هو الصحيح في حد الزنا قبل الإحصان وبعده: أي أن الرجم ولا غير هو حد الزنا بعد الإحصان ومائة جلدة هي حد الزنا للبكر إن كان حرًا ونصفها