فلا تعي الخير, ولا يكون فيها إرادة لفعل ما فيه الخير والفلاح؟. فهم لا يفقهون مصالحهم. فلو فقهوا حقيقة الفقه, لم يرضوا لأنفسهم بهذه الحال, التي تحطهم عن منازل الرجال". ثم وصف الله عز وجل الرسول -صلى الله عليه و سلم- ومن معه من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بعد هاتين الآيتين بخير الصفات، وبشرهم بأعظم البشارات التي تنشرح لسماعها صدور المؤمنين، وتَصَّعَّدُ في السماء ضيقًا بها نفوس المنافقين، فقال:"لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"، قال الإمام العلامة عبد الرحمن السعدي رحمه الله تعالى:"يقول تعالى: إذا تخلف هؤلاء المنافقون عن الجهاد, فاللّه سيغني عنهم. وللّه عباد وخواص من خلقه, اختصهم بفضله, يقومون بهذا الأمر. وهم"الرَّسُولُ"محمد صلى الله عليه وسلم,"وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ"غير متثاقلين ولا كسلين, بل هم فرحون مستبشرون."وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ"الكثيرة في الدنيا والآخرة."وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ"الذين ظفروا بأعلى المطالب, وأكمل الرغائب."أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ". فتبًا لمن لم يرغب بما رغبوا فيه, وخسر دينه, ودنياه, وأخراه. وهذا نظير قوله تعالى"قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا".. وقوله"فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ"... هذا واقع الأمة الإسلامية وما وصلت إليه من ذل وهوان، وهذا الحكم الشرعي الذي دلت عليه النصوص الشرعية المحكمة من الكتاب والسنة وإجماع الأئمة، فَلِمَ التَخَلُفُ عن الجهاد، وإن كان الجهاد غير مستطاع فلم التخلف عن الإعداد للجهاد. فليحاسب كل امرئ نفسه، وليزنها بميزان الشرع، وليعلم المسلم أن جهاده إنما هو لنفسه، قال الله تعالى:"وَمَن جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ"، والجهاد ماضٍ إلى قيام الساعة. عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرّهم من خالفهم حتى تأتي الساعة وهم على ذلك" [رواه مسلم] . وعن عقبة بن الحصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم حتى يقاتل آخرهم الدجال) [رواه أحمد] . وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة. قال: فينزل عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم، فيقول أميرهم تعال صلِ لنا.