ثالثًا: معرفة اللغة العربية؛ نحوها وصرفها ومعانيها وأساليبها: من شروط المفتي:
قال الإمام الشافعي-رحمه الله-: (لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيرًا بحديث رسول الله-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيرًا باللغة، بصيرًا بالشعر وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن) . اهـ (الفقيه والمتفقه) (2/ 157) .
وقال الإمام أبو محمد بن حزم-رحمه الله-: (وفرض على من قصد التفقّه في الدين كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى، وكلام نبيه-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.
قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ففرض على الفقيه أن يكون عالمًا بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل، وعن النبي-صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-، ويكون عالمًا بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يُعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة وهى الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني [1] ،
(1) -قال المأسور في سبيل عقيدته أبو الفضل عمر بن مسعود بن عمر بن حدوش الحدوشي المغربي: (وقد بينت في كتابي:"التوضيحات الجلية لحل ألفاظ الأجرومية"(ص/12/ 13/14) : أن مما ينبغي لكل شارع وبادئ في فن من الفنون أن يتصور ذلك الفن بمبادئه العشرة، ليكون على بصيرة في طلبه، وأن يعرف موضوعه ليمتاز عنده عما عداه، وأن يعرف غايته وهي الثمرة التي لأجلها الطلب لصيانة سعيه عن العبث، (وأفعال العقلاء تصان عن العبث) ... فمن تلك المبادئ العشرة، معرفة النحو لغة واصطلاحًا ...
للنحو لغة معان كثيرة ومتعددة، المشهور والمستعمل منها ستة، وهي المجموعة في قول القائل:
النحو في اللغة: قَصْدٌ، أصل ... وجهة، قَدْرٌ، وقِسْم، مِثْلُ
والعلامة الداودي نظم منها سبعة فقال:
للنحو سبع معانٍ قد أتت لغة ... جمعتها ضمن بيت مُفردٍ كَمُلا ...
قصد، ومثل، ومقدار، وناحية ... نوع وبعض وحرفٌ فاحفَظِ الْمُثُلا
وبعضهم أوصلها إلى نيفٍ وخمسين معنىً، ولكن لا طائل وراءها، لأنها مهملة ليست مستعملة.
أما النحو اصطلاحًا: فقد تنوعت تعاريف العلماء فيه، ما بين مطوِّل ومختصر، فالخضري في: (حاشيته-على شرح ابن عقيل لألفية ابن مالك) (1/ 10/11) يرى أن النحو اصطلاحًا:(يطلق على ما يعم الصرف تارة، وعلى ما يقابله أخرى، ويُعَرَّف على الأول بأنه:"علم بأصول مستنبطة من كلام العرب يُعرف بها أحكام الكلمات العربية حال إفرادها: كالإعلال، والإدغام، والحذف، والإبدال."
وحال تركيبها: كالإعراب، والبناء وما يتبعهما من بيان شروط لِنحو النواسخ، وحذف العائد، وكسر إنَّ أو: فتحُها، ونحو ذلك". وعلى الثاني: يُخص بأحوال التركيب والمراد هنا الأول."
فهو مرادف لعلم العربية حيث غُلِّب استعمالُه في هذين فقط، وإن كان في الأصل يعم اثني عشر علمًا: اللغة العربية، والصرف، والاشتقاق، والنحو، والمعاني، والبيان، والخط، والعَروض، والقافية، وقرض الشعر: وهو الإتيان بالكلام الموزون المقفى، وإنشاء الخطب والرسائل، والتاريخ، وهو معرفة أخبار الأمم السابقة وتقلبات الزمن بمن مضى لتحصل ملكة التجارب والتحرز من مكايد الدهر، ومنه المحاضرات الخ) .
وعرفه العلامة المختار بن بُونَهْ في كتابه القيم: (الجامع بين التسهيل والخلاصة، المانع من الحشو والخصاصة) بقوله: (هو علم بمستخرَج بالمقاييس المستَنبَطة من استقراء كلام العرب الموصِلة إلى معرفة أحكام أجزائه التي ائتلف منها وليس بقسيم التصريف خلافًا لبعضهم) .
وأقرب تعريف عندي وأخصر وأفضل هو أن نقول: (علمٌ بأصولٍ يُعرف بها أحوال أواخِر الكَلِمِ إعرابًا وما بناءً وما أشبه ذلك) . وهو تعريف مختصر لكنه جامع مانع، وقولنا: (علمٌ) نكرة يشمل كل العلوم، اسم شائع على كل أفراد جنسه، وقولنا: (بأصول) المراد بها: (الاسم، والفعل، والحرف، وأنواع الإعراب من رفع ونصب وخفض وجزم، والعوامل اللفظية والمعنوية، والتوابع ونحو ذلك) ، فالعامل اللفظي هو كل عامل يتلفظ به ماضيًا كان أو: مضارعًا، أو: أمرًا، أما العامل المعنوي فشيئان: التجرد من الناصب والجازم في الفعل المضارع، والابتداء في الأسماء، والعامل المعنوي لا يظهر ولا يقدر، وقد أشار إلى القسمين من قال:
العامل المعنوي قل شيئان ... الابتداء والتجرد يا إخواني
والمراد بالتوابع: النعت، وعطف البيان، والتوكيد، والبدل، وعطف النسق، وعلى هذا النسق جمع القائل هذه التوابع في هذا الرمز فقال: (نَبْتٍ دُقَّ) ، النون رمز للنعت، والباء لعطف البيان، والتاء للتوكيد، والدال للبدل، والقاف لعطف النسق .... ).