الصفحة 33 من 105

ونرجو أن يقرأ الحداثيون والمستشرقون قراءة تأمل وتدبر، أقول هذا: وأن لا أكلف العمي أن يبصروا، ولا الصم أن يسمعوا، لأن كثيرًا من الناس مستعدون للعمى والعرج، وليسوا مستعدين للحكمة، فهم يسعون لأن يكونوا مرضى، ولا يسعون ويحاولون-ولو مجرد محاولة-أن يكونوا أطباء:(فإن لكل تربة غرسًا، ولكل بناء أسًّا، وما كلُّ الرؤوس تستحق التيجانَ، ولا كلُّ طبيعة تستحق إفادة البيان.

وإن كان لا بدَّ فاقتصر معه على إقناع يبلغه فهمه، فقد قيل: كما أنَّ لبَّ الثمار مباح للنَّحل، والتبن معدود للأنعام، كذلك لُبُّ الحكمة مُعَدٌّ لذوي الألباب وقشورها مجعولة للأنعام، وكما أنه من المحال [1] أن يشم الأخشم ريحانًا، فمحال أن يفيد الحمار بيانًا) [2] .

وقد طلب مني المؤلف لحسن ظنه بي-يستسمن ذا ورم-أن أنظر في هذا السفر وأقول رأيي فيه، وأكتب له مقدمة تليق به!، وإنما مثلي معه كمثل قول القائل:

إذا غاب مُلاح السفينة وارتمت ... بها الريح يومًا دبرتها الضفادع

وقول القائل:

خَلَت الديارُ فسُدْتُ غيرَ مُسَوَّدِ ... ومن الشقاء تفرُّدي بالسؤدد [3]

وهنا يحسن قول المعري:

(فيا موت زُر إن الحياة ذميمة) .

وقول القائل:

(فبشر إذًا أهل المقابر بالحشر) .

ومن باب قول القائل:

لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم ...

ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوّح [4] نبتها رعي الهشيم [5]

قال فضيلة شيخنا العلامة الأديب أبي أويس محمد بوخبزة الحسني-حفظه الله تعالى-: (وقد ذيلته بقولي-من الوافر-:

ومن عجبٍ ظهورُ اليوم مثلي ... ونعتي بالعُلى وأنا عديمُ ...

فلولا المسخُ طال عقول قومي ... لأبدوا حُرفتي وأنا ذميم [6]

ومن باب قول القائل: (إذا فقد الماء وجب التيمم) .

قد أعْوَزَ الماء الطهور وما بقي ... غيرُ التيممِ لو يطيب صعيدُ

والله المسئول أن يرزقنا العلم النافع والعمل به والدعوة إليه، وينفعنا بما نقرأ ويزيدنا علمًا إلى أن نلقاه،-من المحبرة إلى المقبرة [7] -وأن لا يؤاخذنا بنقصنا وقصورنا وخطئِنا وجهلنا وسهونا.

فهنا يحسن قول الحريري:

وإن تجد عيبًا فسد الخللا ... فجل من لا عيب فيه وعلا

وذيلته بقولي:

فالمرء ذو نقص طبيعي فلا ... تعجَبْ إذا عمَّ القصور العقلاَ ...

فكلنا يُخْْطي وكل مبتلى ... فنسأل اللهَ الختام الأجملاَ ...

زيد كعمرو لا تقُل ذا فُضِّلاَ ... كلاهما من طينة قد جُبِلاَ ...

ميزان أعمالي إذا ما اعتدلاَ ... فغايتي إحساني ذاك العملاَ

(1) -المحال لغة: ما يحيل عن جهة الصواب إلى غيره، واصطلاحًا: ما اقتضى الفساد من كل وجه، كاجتماع الحركة والسكون في محل واحد. انظر: (الحدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة) (ص:73) للقاضي زكرياء بن محمد الأنصاري.

(2) -انظر: (الإتحاف) (ص:1050) .

(3) انظر: (الجامع) للخطيب (1/ 210) ، و (حرمة أهل العلم) (ص:222) .

(4) صوح: يبس. انظر هامش: (تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام) (6/ 216/رقم:547) انتهى من (ذاكرة سجيبن مكافح) (3/ 65/78) .

(5) قال الحافظ الذهبي في (تاريخه) (6/ 216/رقم:547 - ترجمة: معلى بن أيوب) : (وأنشد المبرد لأبي علي البصير في المُعَلَّى هذا) . وذكر البيتين. انظر أيضًا: (السير) ، و (خلاصة الأثر) (1/ 4) للإمام محمد أمين المحبي، و (اعتذارات الأئمة) (ص:99) للأستاذ خليل بن عثمان السبيعي.

(6) انظر: (جراب الأديب السائح، وثمار الألباب والقرائح) (8\ 245) .

(7) -قال السمعاني في: (الأنساب) (12/ 115) في ترجمة: ابن المحرم: (إنه تزوج امرأة، فلما حُملتْ المرأة إليه جلس في بعض الأيام على العادة يكتب شيئًا والمحبرة بين يديه، فجاءت أم الزوجة وأخذت المحبرة وضربت بها الأرض وكسرتها وقالت: هذه شر على ابنتي من ثلاثمائة ضرة) . انظر: (نوادر الشوارد ... ) (ص:319) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت