ولا يلتفت للأقوال التي لا تروي الغليل، ولا تصلح للتعويل، ولا تشفي العليل، ولا تكدر بحر الفرات والنيل.
يا شيخ عذرًا إن جفا بعض الورى ... فالشمس بازغةٌ وإن رفض البشر [1]
أضاف إلى مآثره وعطائه عطاء جديدًا ومآثر سديدة، وزياداتٍ مفيدة، (وقد نهج-وفقه الله-في هذا السفر منهج الوسطية، فليس بالطويل الممل لتقاصر الهمم عن قراءة المطولات ولا بالقصير المخل الذي لا يفي بالمعنى والمقصود بل: عوانٌ بين ذلك) [2] .
هذا السفر المختصر جمع فأوعى، عرض فيه حكم رطانة الأعاجم، ونتانة الحداثيين: (في معرض البراعة، وجلاه في حلل النصاعة، ووافق شنٌّ طبقة، وصادف الإثمد الحدقة، ولا عجب فإن التأليف المقبول لا بد أن يكون بقلم من اتسعت مداركه، وطال جده وطلبه، والصنعة بصانعها الحاذق، ومعلمها البارع) [3] .
(وهذا أوضح من النهار، لأولي النهى والاعتبار) [4] .
فهذا الحق ليس به خفاء ... فدَعْنِي من بُنَيات الطريق [5]
وأخونا الشيخ تركي في هذا المؤلَّف الجميل افتضّ أبكارًا لم يطمثهن إنس قبله ولا جان. مؤلف يعتبر يعبوبًا [6] للفوائد والشوارد والفرائد: (لم يشنه نمص ولا وصل ولا وشم ولا وشر، حاوي للأدلة والقواعد، طاوي على نكات وشواهد، سالك مسلك الإنصاف، مجانب للغلو والاعتساف) [7] .
حقًا هو تأليف مختصر لكنه لطيف، يمثل حلقة ذهبية سنية نفيسة، وهو سفر شريف زاخر بالحقائق الغالية، والنفائس العالية، والنقول الكافية، والمسائل الشافية، والفوائد المتنوعة، والثمرة اليانعة الطيبة النيرة الحميدة، وفيه فوائد لا تدرك بـ (سَوْفَ) و (السين) ، ولا بـ (ليت) و (لعل) .
حذار ثم حذار أن يمنعك من دخول جناته حجاب الحداثة المظلمة، والوثنية الوافدة: (ولا تكن يدك عن جنى ثماره قاصرة ... فاشدد بهذا التحقيق يديك، وعُضَّ عليه بناجذيك، فإنك قلما تظفر به في كلام أحد) [8] .
فهو فيه نسيج وحده، وفريد عصره، رقَمَ فيه تعليقات رائعة فتية تدل على عمق وتضلع وعلو كعب صاحبها في دقائق العلوم الشرعية، وسلسلة الفوائد اللغوية، والشوارد الذهبية، (من أجل هذا وجدتني أُدْفَع دفعًا قويًا لأركب مركبًا صعبًا لست له بأهل، وأقتحم ساحة تخريج وتحقيق أحاديث هذه الرسالة القيمة الرائعة-لست من رجال التخريج الأفذاذ، ولا من فرسان التحقيق الأكفاء. ولا ممن منزله وراء قبة التحقيق والتخريج، ولا من أهل السباحة والرياضة في لجج البحار ولاسيما(والسباحة في لجج البحار لا تصلح إلا لأهل الرياضة التامة) [9] .
(1) انظر: (ترجمة مقبل بن هادي الوادعي) (ص:158/ 85)
(2) -انظر: (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم؟) . (ص:4) ، و (روضة الأزهار ... ) (ص:888/ 890) كلاهما لأبي الفضل عمر الحدوشي.
(3) -انظر: (التعالم وأثره على الفكر) (ص:67) . للشيخ بكر، و (كيف تفهم عقيدتك بدون معلم؟) . (ص:142) . لأبي الفضل عمر الحدوشي. بتصرف يسير.
(4) - انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2\ 1007) .
(5) انظر: (الإتحاف) (ص:899) .
(6) -االيعبوب: هو النهر الشديد الجريان.
(7) -انظر: (سَداد الدِّن وسِداد الدَّيْن في إثبات النجاة والدرجات للوالدين) (ص:35) .
(8) -انظر: (سَداد الدِّن وسِداد الدَّيْن في إثبات النجاة والدرجات للوالدين) (ص:39/ 48) . بتصرف.
(9) - وهذا الجزء لا يخلو من أحد المعاني الثمانية، التي تصنف لها العلماء، بل: من كل واحد منها وهي:
1 -اختراع معدوم.
2 -أو: جمع مفترق.
3 -أو: تكميل ناقص.
4 -أو: تفصيل مجمل.
5 -أو: تهذيب مطول.
6 -أو: ترتيب مخلط.
7 -أو تعيين مبهم.
8 -أو: تبيين خطأ.
انظر: (إيثار الحق على الخلق) (ص:23/ 31) . للإمام محمد بن إبراهيم الوزير، و (قواعد التحديث) (ص:36) للقاسمي وهي مجموعة في قول القائل:
أخا الذكاء والفطن ... وقيت أحداث الزمن ...
إن رمت أن تعرف ما ... صنف فيه العلما ...
فهاكها ثمانية ... من نفحة يمانية ...
وهي فقيد اخترع ... وذو افتراق قد جمع ...
وناقص قد كمل ... ومجمل قد فصل ...
ومسهب قد هذّبا ... ومخلط قد رتبا ...
ومبهم قد عينا ... وخطأ قد بينا ...
خدمة عبد مقترف ... عن رسمكم لم ينحرف
انتهى من مقدمتي لكتاب: (آية الرحمن في جهاد الأفغان) (ص:3/ 4) . بتحقيقي، و (روضة الأزهار ... ) (ص:891/ 896) ، و (الإتحاف) (ص:743) .