و (هذه الرسالة الرنانة النفيسة: باب من أبواب البيان، وفيها إقامة الحجة على الأنام، وبها خرج عن طي الكتمان، ومن خرس ونطق الشيطان [1] ، وإيثارًا لسلامة الدين، وتعميم النصحية للإنسان، وإعذارًا إلى الله المنان، من زلقات ورطانة الأعاجم-نفع الله به-لا يداهن أهل الأهواء من أجل مغنم، ولا يسكت عن شبهاتهم وشهواتهم وبدعهم من أجل عرض دنيوي زائل، بل: ينبذ بدعهم ويحطم بفأس قلمه أصنامهم، لا يخاف في الله لومة لائم، فيصيح ويندد ويحذر من زبالة أذهان تجار البدع والخرافات من الحداثيين، قَتَلَة اللغة تحت اسم:(التحرر، والتحضر) ، وكأن شيخنا العلامة أبا أويس-حفظه الله-عناه حين قال:
فانبذن عندها زبالة ذهن ... فهي للخسر أوثق الأسباب ...
والنجاة النجاة، إني نذير ... لحليف الهوى بشر العذاب
يعيش العلم واقعًا عمليًا، إن غاب عن أبصارنا لبعد الشقة، فعلمه لا يغيب عن بصائرنا في هذه الرسالة:
هؤلاء سادة في دربنا ... موكبٌ مِن خلفهم لا يُقتحَم ...
كَتَبوا لَمّا استنارَتْ خَطْوُهم ... بِمِداد ثابتٍ فوق الضّيَمْ ...
ثم ساروا رسمُهم طولَ الحيا ... طِيبُها عَبَّاقُ صافٍ كالرُّقَمْ [2]
استأصل ذكر من جعل الزغل والخالص شيئًا واحدًا، أقول لكم ولا أزيد-وإن زدت فمن نور بصيرة هذا السفر الذي غرفت منه في موضوع اللغة [3] : هذا السفر الجليل، العديم النظير والمثيل، حوى (كلمات تستحق أن تكتب بالنور على وجنات الحور) [4] .
سفر أظهر به الخطأَ من الصواب عن رطانة الأعاجم، وبه انقشع الضباب.
والآنَ قد قشَع الضباب وجاءك * بَحرٌ عَليٌّ بالجواهر والدُّرَرْ
عجبًا بحارُ الأرض تَرحل نحوها ... وإليكِ بحر بالمعاني قد حضَرْ [5]
هو سفر بمنزلة الحادي، يفتقر إليه كل حاضر وبادي، سفر قطع قول كل خطيب، فلله دره ... لا يلتفت إلى تشويه الشانئين ولوم اللائمين ومكر الكائدين.
(1) -وقد قال الإمام الجليل أبو محمد عبد الله بن أبي زيد إمام المالكية في زمنه ... وروينا عن الأستاذ القاسم أنه قال: (الصمت بسلامة وهو الأصل، والسكوت في وقته صفة الرجال، كما أن النطق في موضعه من أشرف الخصال) ، قال: وسمعت أبا علي الدقاق يقول: (من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس) . أو: (الساكت عن الحق شيطان أخرس، والناطق بالباطل شيطان ناطق) . انتهى من: (صحيح مسلم بشرح النووي) (1/ 19/20) . و (الجهل والإجرام .... ) (1/ 41) . لأبي الفضل عمر بن مسعود بن عمر بن حدوش الحدوشي-فك الله أسره-.
(2) انظر: (نظرات في دراسة التاريخ الإسلامي(ص:214) . للأستاذ عبد الرحمن الحجي.
(3) -قال الإمام الشافعي: (لسان العرب أوسع الألسنة مذهبًا، وأكثرها ألفاظًا، والعلم بها كالعلم بالسنن عند أهل الفقه) ، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا باللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) . وقال الأزهري في مقدمة كتابه: (تهذيب اللغة) : (إن تعلم العربية التي يتوصل بها إلى تعلم ما تجزئ به الصلاة من تنزيل وذكر فرض على عامة المسلمين، وإن على الخاصة التي تقوم بكفاية العامة فيما يحتاجون إليه لدينهم الاجتهاد في تعلم لسان العرب ولغاتها التي بها التوصل إلى معرفة ما في الكتاب(القرآن) ثم في السنة والآثار وأقاويل أهل التفسير من الصحابة والتابعين من الألفاظ الغريبة، فإن الجهل بذلك جهل بجملة علم الكتاب ... ). انظر: (مجلة البحوث الإسلامية) (1/ 94) .
(4) -قالت أم الفضل حنان المساوية: (بل: بالخناجر على الحناجر) أو: (بالإبر على آماق البصر) .
(5) انظر: (ترجمة مقبل بن هادي الوادعي) (ص:84) .