الصفحة 15 من 105

وأن العلماء أَلفوا في فضله تآليف عديدة وتمدحوا بمعرفة علومه، والبراعة فيه، وأنه وسيلة فعالة رائعة للبلوغ للهَدَف وتجلية المقاصد، ويكفي أن يطلع الإنسان على تراث المسلمين في هذا الشأن، فقد ملأت كتبه الخافقيْن، ومن آخرها وأحسنها كتاب: (الإسلام والشعر) ليحيى الجبوري العراقي، وقبله كتب ابن رشيق كتاب: (العمدة) ، والشريف العلوي كتابه العجيب: (الإغريض في نصرة القريض) ، وغيرهم كثيرون، ولكن الكرفطي الجهول الحقود لا يعرف هذا ولا له غرض في معرفته، بل: ولا يستطيع ذلك لبلادة طبعه، وبطء إدراكه، والشعر يحتاج إلى رقة الطبع، وسرعة الإدراك، وقوة العاطفة، وسلامة اللغة، وهو بلا شك جرَّبَ ذلك فوجَدَ نفسَه جُلمودًا لا يتحرك فتركه يائسًا محزونًا ولو تأتى له ولانَ سهر الليالي في إتقانه وتعلمه فإنه مجنون بحب الشهرة، تواق إلى الظهور [1] ، يعمل له بكل ما استطاع، وما هذه الدعاوي والفضائح التي نشرها على الناس إلا ما تخيله طريقًا إليها، وقد حصَلَتْ له الشهرة ولكن بغير الشكل الذي يحب، فقد عَرَفَه الناس وسخروا منه وضحكوا وتعوذوا بالله من رؤيته وسبوه ولعنوه.

(1) -يحب الظهور ولو بالكذب، (وحب الظهور يقصم الظهور) . وكأن سفيان الثوري عناه حين قال: (حب الرياسة أعجب إلى الرجل من الذهب والفضة، ومن أحب الرياسة طلب عيوب الناس) (طبقات الحنابلة) (2/ 14) . ومن يجلس مع الكرفطي يسمع لسانه الحالي يلهج بقول القائل: (الإمارة ولو على حجارة) . فهو يريد (الدخول في التاريخ ولو بالكذب على الله وعلى رسوله وعلى سلف هذه الأمة) .

مثله مثل الذي بال في زمزم ولما أخذ لتضرب عنقه قيل له: لِمَ فعلت هذا وعرّضت نفسك للضياع قال: (لأدخل التاريخ) . الكرفطي صياد ماهر للضلال، يخاصم الوحي السماوي بمبشراته-أو: منفراته-ويستعيذ من رسائله ومبشراته إبليس، فهو يرفع بطاقة: (لا تضر مع البشارة معصية) . هوَس وحمق مُسْدِفٌ ومظلم، اتخذ الوقيعة في علم العلم والأدب سلمًا إلى الشهرة فشابه أحمد بن عبد الدائم بن يوسف بن ساهل-وكان شاعرًا مشهورًا مولعًا بالهجاء-لما دخل دمشق قدم لقاضيها شهاب الدين الخوئي قصيدة هجو، فردها إليه وقال: (كأنك ذاهل) قال: (بل: لست بذاهل، بل: صنعت ذلك عمدًا لأشتهر، لأني رأيت الناس اجتمعوا على الثناء عليك، فرأيت أن أخالفهم، فإني لو مدحتك فأعطيتني لم يشعر بي أحد، فإذا هجوتك وعزرتني، يقال:(ما هذا؟) فيقال: (هذا غريم القاضي) فأشتهر). وإن كنا نعلم أن عقلك عند دراهم المريدين. وإن عادت الحية كانت النعل لها جاهزة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت