الصفحة 13 من 105

وقال يوهان فك الألماني: (إن العربية الفصحى لتدين حتى يومنا هذا بمركزها العالمي أساسيًا لهذه الحقيقة الثابتة، وهي أنها قد قامت في جميع البلدان العربية والإسلامية رمزًا لغويًا لوحدة عالم الإسلام في الثقافة والمدينة، لقد برهن جبروت التراث العربي الخالد على أنه أقوى من كل محاولة يقصد بها زحزحة العربية الفصحى عن مقامها المسيطر، وإذا صدقت البوادر ولم تخطئ الدلائل فستحتفظ العربة بهذا المقام العتيد من حيث هي لغة المدينة الإسلامية) .

المستشرق اربري: (إن اللغة العربية لغة حية، وحضارة العرب هي حضارة مستمرة، فهي حضارة الأمس واليوم والغد، وعن طريق العرب عرفت أوربا الحضارة، فقد كانت أوربا تغظ في سباتها العميق حين كان العرب يصنعون الحضارات، وكانت جامعاتهم تخرج كثيرًا من العلماء في حقل الآداب والعلوم والفنون والطب والهندسة) .

وقديمًا قِيل: (مَن عُرِف بفصاحةِ اللسان لَحَظتْه العيونُ بالوَقار) . وهذه من الأقوال التي حفظناها من شيخنا العلامة النحوي عياذ المهراز في أول الطلب-حفظه الله تعالى-وكذا الآثار التي ذكرت.

وقال فيلسوف: (كما أنّ الآنيَةَ تُمتَحنُ بأطنابها، فيُعرَفُ صحيحُها من مكسورها، فكذلك الإنسان يُعرَفُ حالُه من منطقِه) .

والدعاة الآخرون من الحداثيين والماركسيين والمستشرقين إلى الشعر الحر، والشعر المرسل، المنتقدون لقواعد القصيد العربي، ونظام الوزن والقافية-ليسوا بعيدين عن ميدان التآمر على اللغة العربية وبلاغتها المؤثرة، وأدبها الممتع-وللأسف بعض مرتزقة الصوفية صبوا جام غضبهم على الشعر والشعراء بمجرد أنهم لا يحسنون أن يقولوا بيتًا واحدًا، بل: عجزه ووتده، لبلادة طبعهم، وجمود قريحتهم.

قال فضيلة شيخنا العلامة محمد بوخبزة-حفظه الله تعالى-في كتابه القيم: (نشر الإعلام في مروق الكرفطي من الإسلام) (ص:38/ 44) : (ثم صَبّ-أي: التليدي-جام غضبه على الشعر والشعراء وأطال الخ الرسالة في ذمهم وذم الشعر مطلقًا. ومن الطرائف ّأنه أتى بشعر في ذم الشعر، وحرَّفه لجهله، وفَاتَه ما يعرفه الناس جميعًا:(أن الشعر ديوان العرب) [1] .

(1) -وقد كان ابن عباس وغيره يفسرون غريب القرآن بأشعار العرب، وقال ابن عباس-رضي الله عنهما-: (الشعر ديوان العرب، هو أول علم العرب عليكم بشعر الجاهلية شعر الحجاز) .- أخرجه الطبري في: (تهذيب الآثار) (2/رقم:2702) -وكما ورد في الأثر: (إذا قرأ أحدكم شيئًا من القرآن، فلم يدر ما تفسيره، فليلتمسه في الشعر، فإنه ديوان العرب) -أخرجه البيهقي في: (السنن الكبرى) (10/ 241) ، والخطيب في: (الجامع) (2/ 206) ، وذكره المتقي في: (كنز العمال) (رقم:7992) -.

وكان المسلمون في مختلف العصور يحفِّظون أولادهم الجيد من الشعر العربي، ليستفيدوا منه في لغتهم، وتنمية مداركهم. وعن عبد الله بن عباس قال: قال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: (تعلموا الشعر، فإن فيه محاسن تبتغى، ومساوئ تتقى، وحكمة للحكماء، ويدل على مكارم الأخلاق) - أورده المتقي في:"الكنز": (3/ 855/رقم:8945) -ولا نريد من أبنائنا أن يتنسكوا نسكًا أعجميًا رهبانيًا-كالكرفطي-وفي الوقت نفسه لا نريد منهم أيضًا أن يتميعوا تمييعًا أعجميًا، ولا أن يكرهوا الشعر العربي أو: العجمي النظيف لما ورد عن ابن أبي الزناد، أنه قال: قيل لسعيد بن المسيب: (إن ناسًا يكرهون الشعر، قال: نسكوا نسكًا أعجميًا) -أخرجه الطبري في: (التهذيب) (2/ 2705) -وفي رواية: أن الأصمعي قال: قيل لسعيد بن المسيب:"هاهنا قوم نُسَّاك يَعيبون إنشاد الشعر، قال:"نسكوا نسكًا أعجيًا"، كما في: (البيان والتبيين) للجاحظ (1/ 202) -لا سيما إن كانت رغبة الأب تعلمَ الشعر العربي والجاهلي، ورغبة الولد تعلم القرآن فحسب، فلا نقول للولد: خالف أباك ولا تطعه فيما يقول لك بل: نأمره أن يتعلم القرآن، ويأخذ من الشعر القدر الذي يرضي به أباه. وعن عباد بن راشد أنه قال: جاء رجل إلى الحسن بن علي بن أبي طالب-رضي الله عنهما-، فقال: (إني أتعلم القرآن، وإن أبي يأمرني أن أتعلم الشعر. فقال:(تعلم القرآن، وخذ من الشعر ما ترضي به أباك) -رواه الطبري في: (التهذيب) (2/رقم 2706) -ونذكِّره أيضًا: بما ورد عن عبد الملك بن مروان، حين قال لمؤدب أولاده: (علمهم الشعر يمجدوا) -رواه البخاري في: (الأدب المفرد) (2/ 876 مدني) -ونذكره أيضًا: بما ورد عن عبد الله بن عبيد الله بن عمير أنه قال: قال أبو بكر - رضي الله عنه: (ربما قال الشاعر الكلمة الطيبة) -نسبه الحافظ في: (الفتح) (10/ 442) أو (10/ 540) لابن أبي شيبة- انتهى من كتابنا: (أناشيد عربية لا إسلامية) (ص:100/وما بعدها) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت