الصفحة 172 من 200

كان حكم غض البصر موجهًا إلى كلا الصنفين -الرجل والمرأة- وهناك بعد ذلك أحكام تخص المرأة وحدها. وأولها أن تجتنب إبداء الزينة إلا في دائرة معينة.

وقبل أن يتأمل القارئ مقاصد هذا الحكم وتفاصيله، يجدر به أن يستعرض في ذهنه تلك الأحكام التي قد مرّت في باب اللباس وستر العورات. فكل جسم المرأة إلا وجهها ويديها عورة لا يحلّ لها كشفها حتى لأبيها أو عمّها أو أخيها أو ابنها. ولا يجوز للمرأة أن تكشف عورتها حتى للمرأة مثلها [1] . فإذا جعلتَ هذا بوعي منك. فدونك الآن حدود إبداء الزينة:

1 -قد أبيح للمرأة أن تبدي زينتها للرجال الآتي ذكرهم من أقاربها: الزوج والأب والحمو (أبو الزوج) والأبناء وأبناء الزوج، والأخوة وأبناء الأخت.

2 -وكذلك أبيح لها أن تبدي زينتها لما ملكت يمينها أي عبيدها وإمائها.

3 -وأيضًا يجوز لها أن تخرج في زينتها أمام من هو تابع لها وتحت سيادتها من الرجال، وليسوا ممن يميلون إلى النساء ميلاَ شهوانيًا [2] .

(1) حرام على المرأة النظر إلى ما بين السرة والركبة من المرأة الأخرى، كما أنه حرام على الرجل النظر إلى ذلك من الرجل الآخر.

(2) يكتب الحافظ ابن كثير في تفسير الآية:"أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ": أي الأجراء والأتباع الذين ليسوا بأكفاء وهم مع ذلك في عقولهم وله. ولا هم لهم إلى النساء ولا يشتهونهن (تفسير ابن كثير 3/ 285) .

ولعدم الميلان إلى النساء في هؤلاء الرجال وجهان: أولهما أن يكونوا فاقدي الشهوة تماما، كالشيوخ الممعنين في السن، أو ضعفاء العقول والبله أو الخناثى بالخلقة. والثاني أن تكون الفحولة والميل الطبيعي إلى النساء موجودا فيهم، ولكنهم لذلهم وخضوعهم لا يتجرؤون على أن يعلقوا ميولهم الشهوانية بنساء البيت الذي هم فيه خدمة أو أجراء أو يدخلونه سائلين مستجدين. وكلا هذين النوعين يدخل تحت حكم التابعين غير أولي الإربة من الرجال. ولكنه مما يجب ألا يغفل عنه، أن يكون جميع أمثال هؤلاء الذين يؤذن للنساء بإبداء الزينة لهم، متصفين بصفتين حتما ولازما: أولاهما أن يكونوا تبعًا للبيت الذي يدخلون على نسائه. والثانية أن لا يكون من الممكن وقوع النزعة الشهوانية في أنفسهم إلى نساء البيت. ولقوام الأسرة أن ينظر في أمر التابعين الذين قد أذن لهم بالدخول على نسائه، هل يصح فيهم ظنه الذي ظنه في بادئ الأمر من كونهم غير أولي الإربة. وإن بدا له منهم بعد الإذن الأول ما يدل على أنهم من أولي الإربة فعليه أن يلغي ذلك الإذن. وأوفق النظائر في هذا الباب أمر ذلك المخنث الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم قد أذن له بالدخول على نساء البيوت ولكنه بعد أمر بدا له منه، منعه من دخول البيوت، بل نفاه من المدينة. وبيان ذلك أن كان في المدينة رجل مخنث يدخل على أمهات المؤمنين. وبينا هو يومًا عند أم سلمة رضي الله عنها يكلم أخاها عبد الله. إذ دخل النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه يقول له: إن فتح الله عليكم الطائف غدًا، فعليك ببادية بنت غيلان الثقفي، فإنها إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان. ثم وصف عورتها بعد ذلك بكلمة جد قبيحة. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد غلظت النظر إليها يا عدو الله! ثم قال لأزواجه: ألا أرى هذا يعلم ما ها هنا، فلا يدخلن عليكن هذا. فحجبوه عن البيوت. ثم لم يكتف بذلك، بل أمره بالخروج من المدينة إلى البيداء. لأن الوصف الذي وصف به عورة بنت غيلان، أخذ منه النبي صلى الله عليه وسلم أن النساء يتبسطن معه لخنثه وتأنثه، كتبسطهن مع بنات جنسهن من النساء. وبذلك يطلع هذا على أحوالهن وأسرارهن، ثم يصفها للرجال، وذلك مما يخشى منه الفتنة. [انظر بذل المجهود (شرح أبي داود) ، كتاب اللباس -باب ما جاء في قوله تعالى غير أولي الإربة من الرجال] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت