وبديهي أنه من كان هذا تصوره للزنى، لا بد أن يرى حد المئة جلدة عقوبة ظالمة جدًا لهذا الفعل. ولكنه إذا ارتقى شعوره الخلقي والاجتماعي وعلم أن الزنى سواء كان بالرضى أو بالإكراه، وكان بامرأة متزوجة أو باكرة، جريمة اجتماعية في كل حال تعود مضارها على المجتمع بأسره، فإنه لا بد أن تتبدل نظريته في باب العقوبة، ويعترف بوجوب صون المجتمع من تلك المضار وبما أن العوامل المحركة للمرء على الزنى متأصلة جدًا في جبلّته الحيوانية، وليس من الممكن قلع شأفتها بمجرد عقوبات الحبس والغرم، فلا مندوحة لقمعه من استخدام التدابير الشديدة. ومما لا شك فيه أن وقاية ملايين من الناس مما لا يحصى من المضار الخلقية والعمرانية بإيذاء شخص أو شخصين إيذاء شديدًا خير من رفع الأذى عن الجناة وتعريض الأمة كلها لمضار لا تنحصر فيها، بل تتوارثها أجيالها القادمة أيضًا بلا ذنب لها.
وهناك سبب آخر لاعتبارهم حد المئة جلدة من العقوبات الظالمة، يفطن له المرء بسهولة إذا أنعم نظره في أسس الحضارة الغربية. وذلك أن حضارة الغرب -كما أسلفنا- قد قامت على إعانة (الفرد) على (الجماعة) . وتركبت عناصرها بتصور مغلو فيه للحقوق الفردية. لذلك مهما كان من ظلم الفرد واعتدائه على المجموع، فلا ينكره أهل الغرب، بل يحتملونه غالبًا بطيبة نفس. ولكنه كلما امتدت إلى الفرد يد القانون حفظًا لحقوق الجماعة، اقشعرت منه جلودهم خوفًا وفزعًا وأصبح كل نصحهم وتحمسهم بحق الفرد دون الجماعة. ثم إن ميزة أبناء الجاهلية الغربية -كأهل الجاهلية في كل زمان- أنهم يهتمون بالمحسوسات أكثر من اهتمامهم بالمعقولات. ولهذا يستفظعون الضر الذي ينال الفرد لكونه ماثلًا أمام أعينهم بصورة مرئية. ولكنهم لا يدركون خطورة الضرر العظيم الذي يلحق المجتمع وأجاله القادمة جميعًا، على نطاق واسع لأنهم يكادون لا يحسون به لسعته وعمق آثاره.