ومما يستند إليه المؤولون المعاصرون في دعواهم جواز تعطيل النصوص ومخالفتها بالاجتهاد الشخصي، ما روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- من أمره لعدد من الصحابة بتطليق نسائهم الكتابيات مع نص القرآن الصريح على جواز نكاحهن، فاستدلوا منه على أن للمجتهد أن يوقف العمل بالنص، ويجمده حتى لو كان قطعي الثبوت والدلالة، إن رأى أنه يخالف المصلحة. (1) وبيان ذلك أن الله عز وجل قال
... { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ } (المائدة -5) .
قال القاسمي:"ظاهر الآية جواز نكاح الكتابية، وهذا مذهب أكثر الفقهاء والمفسرين"ورواية عن زيد والصادق والباقر واختاره الإمام يحيى وقال إنه إجماع الصحابة" (2) ."
وقال ابن كثير:"وقد تزوج جماعة من الصحابة من نساء النصارى ولم يروا بذلك بأسًا أخذًا بهذه الآية الكريمة، فجعلوا هذه الآية مخصصة للتي في سورة البقرة { وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } ( البقرة - 222) إن قيل بدخول الكتابيات في عمومها، وإلا فلا معارضة بينها وبينها لأن أهل الكتاب قد انفصلوا في ذكرهم عن المشركين في غير موضع كقوله تعالى { لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمْ الْبَيِّنَةُ } (3) (البينة -1) ."
(1) انظر: أصول التشريع الإسلامي ص101-183، ومعالم المنهج الإسلامي ص109، النص الإسلامي ص62.
(2) القاسمي محمد جمال الدين: محاسن التأويل 6/1871.
(3) تفسير القرآن العظيم 2/504.