فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 528

وهذا التوجيه هو اللائق بأعلام الصحابة ودينهم وورعهم، فإنهم عاصروا الوحي، وشاهدوا التنزيل الذي نزل بلغتهم، وهم أرفع ما يكونون بلاغة وفصاحة وحسن بديهه وفطنة، ففعل عمر وقوله ورضا الصحابة بمن فيهم الصديق رضي الله عنه، وعدم إنكار أحد منهم ذلك مع وجود الداعي للإنكار لو وجد، وانتفاء الموانع ووفرة الصحابة، لهو أبلغ دليل على صحة تعليل عمر، وفهمه على أن الحكم معلق على وجود الحاجة إلى التأليف، فإن وجدت كان ثمة مؤلفة، وإن لم توجد فليس هناك مؤلفة، ولا سهم للمؤلفة، ولا ريب أنه تعليل في مكانه سدّد إليه عمر ووافقه كبار الصحابة والفقهاء من بعدهم.

هذا التوجيه والاستدلال لرأي الصحابة، و النقول عن الأئمة الأعلام تؤكد أن الحاجة للتأليف لم تنقطع، وهذه الحاجة باقية ما بقي الإسلام فلا صحة للقول إذن أن فعل عمر هو نسخ للحكم وهو ما قال به الحنفية، وإن لم يرتبوا عليه ما استنتجه المؤولون المعاصرون، بل اقطع أن فرية المعاصرين لم تخطر على بال فقهاء الحنفية، بل كان اجتهادًا منهم دعموه بإجماع الصحابة السكوتي على فعل عمر، فاعتبروه رافعًا للحكم وإسقاطا لسهم المؤلفة للأبد.

ودعوى النسخ هذه باطلة لوجوه:

أ - أن فعل عمر وقوله ليس فيه دليل على النسخ، وأنه لا يعدو فهمًا لعلة النص أي أن الإعطاء معلق بوجود التأليف والحاجة إليه كما سبق بيانه.

ب - أن الجمهور قد خالف الحنفية في اجتهادهم، ولم يلغوا سهم المؤلفة قلوبهم.

ج - أن الحنفية وهم من قال بالنسخ قد اختلفوا في تعيين الناسخ الذي نسخ حكم المؤلفة قلوبهم، وهو ثابت بالنص القرآني القاطع، فبعضهم ادعى أنه الإجماع، وعلى فرض حصول الإجماع فلا يصح نسخ الحكم الثابت بالنص بالإجماع، قال ابن عابدين:"وإنما لم يجعل الإجماع ناسخًا لأنه خلاف الصحيح، لأن النسخ لا يكون إلا في حياته - صلى الله عليه وسلم - والإجماع لا يكون إلا بعده" (1)

(1) رد المحتار 3/288.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت