فقد تبين من هاتين الروايتين وغيرهما، أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما عطل حد السرقة وإنما هو أعمل نصًا آخر قيد وجوب إقامة الحد في غير حالة الضرورة - ضرورة الجوع - وقد قال الله تعالى بعد ذكر حرمة أكل الميتة والدم ولحم الخنزير وسائر المحرمات
{ فَمَنْ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لاِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } ( المائدة -3) . فهذا النص استثنى من
المحرمات حالة الضرورة، وعمر حيث لم يقم الحد اعتبر ضرورة الجوع إكراهًا ضمنيًا، وشرط اقامة الحد ان يكون السارق مختارًا، والجوع الشديد يتنافي والاختيار، فهو شبهة مسقطة للحد والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول"ادرؤوا الحدود بالشبهات" (1) .
وعمر كان خير من أدرك ذلك إذ جاء عنه أنه قال"لأن أعطل الحدود بالشبهات أحب إلي من أن أقيمها بالشبهات" (2) . وقال: وإني لأن أخطئ في العفو أحب إلي من أن أخطئ في العقوبة" (3) ."
ثم قد تبين من الرواية أن عمر كان عازمًا على القطع حتى في عام المجاعة، ولم يمنعه من ذلك إلا علمه، ولا أقول ظنه وهو ما صرحت به الرواية الأخرى - بأنهم ما لجأوا إلى السرقة - ونقولها تجوزًا - إلا مضطرين بسبب الجوع الشديد"لولا أني أعلم أنك تجيعهم حتي أن أحدهم لو أتى ما حرم الله لقطعت أيديهم، وفي الرواية الأخرى علل عدم القطع بصراحة بقوله: فإنا لا نقطع في عام سنة. فذاك الدليل الذي اعتمدوا عليه في دعواهم يحمل ما ينقضها من أساسها."
(1) سنن الترمذي ح 1424، والصحيح أنه موقوف عن ابن مسعود وعمر ولا يصح مرفوعًا ولا مرسلًا ( المحلى 8/253) .
(2) الحافظ ابن أبي شيبة عبد الله بن محمد الكوفي العبسي: المصنف في الأحاديث والآثار 2/129.
(3) السنن الكبرى 8/414.