ولا ينتهي الضرر كذلك عند هذا الحد. فإن طبع الألوف والملايين بطابع الدولة، وصبهم في قوالب متشابهة، إذا كان يؤدي غرضًا نافعًا لجيل من الأجيال، فإن نتيجته هي قتل القدرة على التبصر والتفكير السليم لدى الأفراد، ما دامت الأفكار تأتيهم جاهزة من مصنع الدولة الضخم؛ كالفيتامينات الجاهزة إذا أعطيت للجسم على الدوام لم تستطع أن تؤدي وظيفة الطعام العادي، الذي يهضمه الجسم ويمثله بحريته، فيأخذ منه الصالح، وينفي منه ما يضر. فضلًا على أنها تفسد الجهاز الهضمي من حيث تريد له الفائدة. لأن سنة الحياة التي لم يخترعها الرأسماليون لمصلحتهم الخاصة، ولا يستطيع الشيوعيون أن يغيروها ولو أرادوا، هي أن العضو الذي يتعطي عن العمل فترة طويلة -لضرورة أو لغير ضرورة- يعجز عن العمل في النهاية، ويصبح كأنه غير موجود ...
فحين يتعطل جهاز التفكير الحر عند الفرد، كما تتعطل أجهزة الهضم في الجسم الذي يعيش على الكيمياء الجاهزة يأتي جيل لا يستطيع أن يدبر شئون نفسه، ويكون عرضة لأي سيد يحلو له أن يمتطي القطيع، ولا يفكر، بل لا يستطيع أن يفكر، في صده أو تقويمه، لأن العبيد لا يعرفون كيف يقوّمون السادة، بل لا يتجهون إلى مثل هذا التفكير.
وكيف يضمن أي نظام أن يكون حكامه صالحين على الدوام، إذا فقد أفراده ومجتمعه حرية التفكير، والقدرة على التمحيص والتدبير؟ إن الدستور الإقتصادي الشيوعي ليس قوة ذاتية تفعل فعلها بصرف النظر عن"الناس"و"النفوس". وإنما المفروض في"النظام"أن الاستفادة منه معقودة بقيام حاكم صالح، وشعب له من الوعي والإرادة الحرة ما يقوّم به الحاكم إذا أخطأ. فإذا فقد الشعب إرادته الحرة، الحقيقية لا المسرحية، لم ينفعه النظام في ذاته، مهما يكن في النظم من خير مزعوم!
والقول بأن التوزيع الاقتصادي العادل بمفرده، ودون أية محاولة أخرى لبناء الفرد والمجتمع على أسس نفسية وخلقية صحيحة، كفيل بأن تسير الأمور دائمًا على خير وجه، وبأن يظهر المواطن الصالح والحاكم الصالح بطريقة آلية، قول لا يدل إلا على سذاجة التفكير، والجهل المضحك بالنفس الإنسانية ونوازعها [1] .
فقصر النظر إذن هو الذي يقتل كيان الفرد في آفاقه النفسية والفكرية العليا، ويعوضه بها انطلاق البهائم في دركها الأسفل، بدعوى أن في ذلك صالح المجتمع وصالح الأفراد.
والتطرف في إخضع الفرد لنزعته الجماعية، كالتطرف في السماح له بأن يستهين بتقاليد المجتمع وأخلاقه ليحقق كيانه الذاتي، كلاهما خطأ، وكلاهما خطر على كيان الفرد والجماعة، إذا لم يظهر أثره العاجل في جيل من الأجيال، فهو لا بد مؤتٍ ثماره البغيضة على مر الأجيال.
والنظام الصالح هو الذي يوازن بين دوافع الفرد ومصالحه، وبين ضفتيه المكونتين له، كفرد مستقل، وعضو في جماعة، كما يوازن بين الجيل الواحد والأجيال المتعاقبة في نطاق الإنسانية الشاملة الرحيبة ..
وذلك ما يهدف إليه الإسلام.
من الفرد المتوازن ينشأ المجتمع المتوازن، وفي المجتمع الصالح ينشأ الفرد الصالح. تلك نظرية الإسلام. وهي نظرية لا تغفل الفرد، ولا تغفل المجتمع، ولا تبالغ في تقدير واحد منهما على حساب الآخر.
حينما نشأ المجتمع الإسلامي الأول، كان فرد واحد هو الذي تلقى الروح الجديد، وتشبع به، ومزجه بأعماق كيانه، وبكل قطرة من دمه، ذلك هو محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم.
(1) أقرب الأمثلة على ذلك هو ستالين نفسه الذي تربى في ظل النظام الشيوعي واضطلع بأخطر قسط فيه، ومع ذلك قالت عنه صحف روسيا -بعد موته كما تقدم- إنه كان غلطة لا يجوز تكرارها!