ولا عبرة بما يقوله فرويد من أن الأخلاق لا يمكن إلا أن تكون كبتًا لا شعوريًا للنشاط الحيوي للإنسان؛ فإذا كان هذا يصدق على الهمج، وعلى الشواذ الذين قضى حياته معهم، أو على المجتمع المسيحي الأوربي الذي كان موكلًا بالتشنيع عليه لأي سبب من الأسباب، فليس الحال كذلك في الإسلام.
وقد بينا فيما سبق أن الإسلام يعترف من حيث المبدأ بحق الفرد في أن يشعر بشهواته. فهو منذ البدء لا يلجأ إلى الكبت البغيض. وإنما وسيلته لتقييد الاندفاع مع الشهوات عملية نفسية أخرى، قد تشترك مع الكبت في بعض مظاهرها، ولكنها في الواقع أبعد ما تكون عنه في طريقتها وأهدافها.
يلجأ الإسلام دائمًا إلى عملية"الضبط"يكل إليها أن تحد من تيار الشهوة، وتقف بها عند الحد الذي يمنع الضرر عن كيان الفرد ذاته، وعن كيانه كعضو في المجتمع الإنساني في نفس الوقت. والفارق الأساسي الهائل بين الكبت والضبط أن الأول عملية لا شعورية ضارة خطيرة، أما الثاني فعملية واعية، موطنها الشعور، أو هي على الأقل تحت تصرف القوة الواعية في كل وقت. عملية الضبط لا تتعرض للشهوة في منبتها، وقبل أن تظهر في الشعور كما يصنع الكبت. لأن ذلك يحبس النشاط الحيوي عن منطلقه الطبيعي، ويضيع الجهد المذخور، المطلوب لذاته، لتحقيق بعض أهداف الحياة الأصيلة. وهي أهداف يحرص الإسلام على تحقيقها وعدم التعرض لها.
وإنما يتولى"الضبط"عمله بعد أن تخرج الشهوة من ظلمات اللاشعور إلى وضح الشعور. وتكون مهمته أن ينظم مساربها وينظفها ويتحكم في القدر الذي يُصَرّح به منها، واللحظة المناسبة"للتفريغ". بحيث يوازن بين المطالب المختلفة للفرد، أولًا بوصفه شخصية مستقلة، فيمنعه من الإسراف المضر، وكذلك بوصفه عضواُ في الجماعة، فلا يصرح له بإيذاء غيره، حرصًا على المصلحة العامة التي تعود آخر الأمر على هذا الفرد ذاته بالخير العميم.