والإسلام يهتم اهتمامًا بالغًا بالأخلاق، لأنها هي مناط"النظافة"الداخلية، وهي القديرة على توجيه الإنسان إلى ما يصلح به حاله فردًا وعضوًا في جماعة، بطريقة ذاتية تشبه أن تكون لا شعورية، وإن كانت دائمًا"تحت طلب"القوة الواعية في الإنسان، إذا اقتضى الأمر أن يناقشها بوعيه، ويتعرف على حكمتها.
وهو يعنى ببذر بذور الأخلاق في نفس الطفل وهو وليد، لأن ذلك أحرى أن يجعلها مكينة الأساس قوية البنيان. ثم يكل إليها بعد ذلك النتظيم الحقيقي لنشاط الفرد في المجتمع، ولا يعتمد على القوانين إلا في الحالات التي تخفق فيها الأخلاق عن أداء مهمتها، والتي تهبط فيها فطرة الفرد رغم كل التوجيه والتهذيب.
وقد قيل كلام كثير ضد الأخلاق.
قيل إنها لا تتمشى مع الطبيعة البشرية، وإنها مفروضة عليها فرضًا من قوة خارجية مسيطرة ذات سلطان. وقيل: إنها كوابت تمنع النشاط الإنساني من الانطلاق، وتمنع الفرد من التمتع بحريته، فضلًا عما تصيبه به من الضرر الذي يتمثل في الأمراض النفسية والاضطرابات العصبية. وقيل: إنها بقايا من العهود الغابرة! وإنها كانت شديدة قاسية لدى المتوحشين، نابعة من عنف مشاعر أولئك المتوحشين وشدة رغبتهم في الشر (!) وإنه كلما تقدمت الإنسانية في سبيل التطور خفت قيود تلك الأخلاق وانحلت عقدها؛ ويستتبع إيحاء تلك النظرية أن تنزع الإنسانية عنها ما بقي في عنقها من نير تلك الأخلاق، لتتحرر نهائيًا من عقابيل"الوحشية"الغابرة! ولتصير متحضرة!
وليس هذا تجنيًا منا على السادة"العلماء"الذين يقولون ذلك. فهذا فرويد يقول بصراحة في كتابه"The ego and the id"ص80:"إن الأخلاق تتسم بطابع القسوة حتى في درجته الطبيعية العادية"! وذلك بعد أن يقرر أن الاضطرابات النفسية والعصبية تنشأ من تناول جرعة كبيرة من هذه المادة السامة الخطرة التي تسمى الأخلاق! ويقول في كتاب"Three Contributions to the Sexual Theory"ص62:"وهكذا يحصل الإنسان على قوة"نفسية"كبيرة من استعداد نفسي هو في ذاته خطير"! وكتابه"Totem and Taboo"كله تشنيع على الأخلاق في منشئها الأول، وتصوير لها بأنها نابعة من"أقذر"المشاعر البشرية وأشدها ميلًا إلى العدوان. وإن كان -والحق يقال- لا يشاركنا النظر إلى تلك المشاعر على أنها قذرة أو شريرة، فإنها الطبيعة البشرية هكذا؛ ولا يجوز أن ينظر إليها على أنها -في ذاته- خيرة أو شريرة. لأن الإنسان غير أخلاقي بطبعه!
وليس فرويد وحده هو الذي يقول ذلك، فكثير غيره من علماء النفس والاجتماع الغربيين يقولون هذا السخف على أنه وقائع مقررة، ولا يستحون من أنفسهم وهم يهدرون كرامة الإنسان ويهبطون به إلى الدرك الحيواني الأسفل.
وأولئك الذين يؤمنون بهذه الآراء -متأثرين بطبيعتهم المادية وبيئتهم الهابطة- يسوء ظنهم بالإنسانية إلى حد أنهم يستكثرون عليها شعورًا واحدًا نظيفًا، أو رغبة واحدة في التطهر والارتفاع. ولكنهم مخطئون في بديهية لا يتطلب فهمها ولا تصديقها شيئًا من إعمال الفكر: فلولا أن الطبيعة البشرية في ذاتها قابلة للتهذيب لما أمكن تهذيبها، مهما كانت المحاولة المبذولة لذلك، ومهما كان عنف"السلطان"الذي يفرض هذا التهذيب.
بل إن بعض أنواع الحيوان ليمكن تهذيبه إلى حد يذهب بوحشيته الأصيلة، أو بكثير منها على الأقل. فكيف إذن ينكر المنكرون على الإنسان، وهو أرقى مخلوق على الأرض باعتراف الجميع، أن تتهذب طباعه، ويسمو إلى"الغيرية"وإلى"الإنسانية"؟