الصفحة 60 من 162

وذلك كله يحدث لأن الفرد قد نسي أهداف حياته، أو اعتقد أن لذة الطعام هدف في ذاتها، وليست وسيلة لغاية أخرى أنبل وأرفع.

لذلك يتعين على كل نظام صحيح أن يعيد تذكير هذا الفرد المنحرف بتلك الأهداف العليا، فيذكره بأنه يأكل ليعيش ولا يعيش ليأكل!

فإذا صنع ذلك حقق هدفين في آن واحد: الأول أن يهيئ للجسم القدر اللازم له من الطعام -القدر الذي يحقق حفظ الذات، ويحفظها سليمة من العطب- والثاني ألا تستعبده شهوة الطعام، فيستطيع أن ينطلق في مدارج الرقي، بفكره وروحه، ويشارك بقدر ما ينطلق من نشاطه، وبحسب نوع هذا النشاط، في ترقية الإنسانية عامة، تحقيقًا لهدف الحياة من التطور المستمر.

وحين يترك الإنسان نفسه لشهوة الجنس، فتستعبده، وتشغل باله، وتنهك قواه، يكون أولًا قد أضر بنفسه، ويكون ثانياُ قد قعد عن تحقيق الهدف الأسمى والأهم.

وهو يصنع ذلك لأنه نسي أن شهوة الجنس قد ركبت في جسده لهدف أكبر منه في ذاته: هو استمرار النوع على ظهر الأرض، وأن الإلحاح الذي تتصف به هذه الشهوة قد قصد به أن يفرض هذا الهدف نفسه فرضًا على حياة الفرد، حتى لا تشغله المشاغل أو الرغبات الأخرى عن تحقيق غاية لا تستمر بدونها الحياة.

فيجب إذن أن نذكر هذا الفرد المنحرف بأن لشهوة الجنس غاية هي النسل، وأنها ليست غاية في ذاتها. فإذ صنعنا ذلك حققنا هدفين في ذات الوقت: الأول أن نحتفظ بجسم هذا الفرد لأطول مدة ممكنة، سليمًا قادرًا على النسل، لحفظ النوع على الأرض. والآخر أن نطلق جزءًا من تلك الشحنة الضخمة، فنستغلها في تحقيق غاية الحياة الأخرى من السمو والارتفاع: شحنة جسد وفكر وروح، يكون من الخسارة ولا شك أن نبددها في ميدان ضيق صغير.

وحين ينطلق فرد مع شهوة المال أو الملك إلى آخر المدى، يعذب نفسه بظمأ لا يرتوي ولا يقنع مهما تحصل لديه من المال. وتنحسر نفسه في الوقت ذاته عن طلب الرفعة والسمو، لأن شعور ألأنانية شعور بغيض مضاد لدفعة الحياة المشرقة المتسامية.

وهو يفعل ذلك لأن شهوته تخيل له أن المال هدف في ذاته، وليس وسيلة للإنفاق؛ وللإنفاق فيما يعود بالخير على أكبر عدد من أفراد الإنسانية.

فعلى النظام الذي ينوط نفسه بإصلاح هذا الفرد المنحرف أن يذكره بتلك الأهداف العليا، فيحقق بذلك أولًا قدرًا من القناعة والهدوء النفسي لهذا الفرد ذاته، ويحول نشاطه في ذات الوقت لرفعة الإنسانية كلها، تحقيقًا لنزعتها في السمو والارتفاع.

وهكذا في كل أمر من أمور الحياة.

والوسيلة التي يتبعها الإسلام في كل هذه الحالات هي إقامة الأهداف العليا أمام البشرية، وتذكير الناس بها كلما انحرفوا عنها، أو هبطت بهم شهوات الجسد عن التوجه إليها بأفكارهم وأرواحهم جميعًا.

ومهمة"الأخلاق"هي هذا التذكير الدائم بالأهداف العليا للحياة. تذكير الإنسان بأنه لا يعيش وحده في هذا الكون، وإنما يعيش معه فيه أفراد آخرون، لهم مثل ماله من الحقوق، وعليهم مثل ما عليه من الواجبات. وتذكيره بأن شهوات جسده وسيلة لغايات أخرى هي حفظ الذات وحفظ النوع، فينبغي دائمًا أن نعمل على تحقيق تلك الغايات. وتذكيره أخيرًا بأن الانسياق مع الشهوات يغشى روحه بظلام يتراكم بعضه على بعض، حتى يخفي الجانب المشرق من الفطرة الإنسانية، ذلك الجانب الذي ينزع بطبعه إلى التطور والارتفاع، فينبغي أن يجلو هذا الظلام لتتكشف له طبيعته على حقيقتها، ويؤمن بعظمته القادرة على ما يشبه المعجزات، حين يوجه نشاطه التوجيه الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت