الصفحة 59 من 162

وليس هذا كلامًا يطلق في الهواء .. وإنما هو واقع تاريخي مشهود. يقول القرآن:"وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى"ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إنما أفسد من كان قبلكم أنه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد. والله لو سرقت فاطمة بنت محمد لقطع محمد يدها". وعمر يجلد ابنه على الخمر، لا يمنعه عن ذلك أنه ولده، ولا أنه شريف من قريش ...

فإذا كان هذا لم يستمر، وجاءت ظروف أفسدت تطبيقه، فكل نظام عرضة لمثل ذلك، ولا يحسب هذا على الإسلام على أية حال. فنحن هنا نتحدث عنه من حيث هو مباجئ نظرية أولًا، ثم من حيث هو مبادئ قابلة للتطبيق العملي. وفي كلتا الحالتين نجد الشواهد في صف ما نذهب إليه من أنه نظام متفرد بمزايا لا توجد مجتمعة في أي نظام آخر على ظهر الأرض. وإن ما أمكن تطبيقه في زمن أبي بكر وعمر، وعلي، وعمر بن عبد العزيز، ليصلح للتطبيق دائمًا حين تتهيأ لذلك الظروف. وليس مبحثنا هنا عن الظروف السياسية التي تمكن لحكم الإسلام. وإنما نبحث في الإسلام من الوجهة النفسية. فكل ما يهمنا إذن أن هذا النظام الممتاز من الناحية النفسية يمكن تطبيقه عمليًا حين يراد ذلك ...

فإذا طبق، كما حدث مرة في التاريخ، وكما يمكن أن يحدث مرة أخرى، يشعر الفرد المسلم أن الشريعة المنزلة من السماء، لا تظلمه لصالح فرد آخر، ولا تحابي فردًا آخر على حسابه. ويشعر كذلك أنه ليس الحاكم فقط هو الموكل بتنفيذها -ضده هو إذا أخطأ- وإنما كل فرد مطالب بتنفيذها على الآخرين بما فيهم هذا الحاكم، كما ينفذها على نفسه سواء بسواء، تحقيقًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"وقوله:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فمن لم يستطع فبلسانه، فمن لم يستطع فبقلبه وهو أضعف الإيمان"وقوله:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر".

عندما يثق بهذه العدالة المطلقة التي تشمل الحاكم والمحكوم وتخضعهم جميعًا لقانون واحد صادر من الله، يحب هذه الشريعة، ويدافع عنها ولا ينتقض عليها.

على أن الإسلام -مع ذلك- لا يكل للقوانين وحدها أمر تنظيم المجتمع.

إن القوانين تكفل الحد الأدنى من التنظيم، الذي تصبح الحياة بدونه مستحيلة، أو تصبح فوضى لا قرار لها ولا كيان.

والحياة في نظر الإسلام لا ينبغي أن تقف عند هذا الحد الأدنى. ففي البشرية رغبة دائمة في التطور والتقدم، في اقتحام ميادين جديدة من المعرفة، والوصول إلى مدارج جديدة من السمو والارتفاع. ولا يتحقق للبشرية أن تتقدم وترتفع إذا هي ظلت عند الحد الأدنى لا تتعداه.

وكما أن الإسلام قد راعى الفطرة الإنسانية فلم يكبت نوازع الجسد وشهواته، ولم يحرم على الإنسان أن يحس بتلك النوازع ويسايرها بعض المسايرة ..

فهو كذلك يراعي الفطرة الإنسانية ورغبتها الدائمة في النهوض والارتفاع، فيهيء لها ما يعاونها على ذلك الهدف النبيل، وبذلك يحقق للإنسان شطري حياته، ويوازن بينهما، بل يمزج بينهما حتى ليصبحان أمرًا واحدًا في النهاية، يتحقق به هذا الهدف وذاك.

والمثال دائمًا أوضح ...

حين تستولي على الإنسان شهوة الطعام والشراب، فيسرف فيهما ولا يقف عند الحد المعقول، يعود عليه ذلك بالضرر، فلا يتحقق هدف الحياة الأول من حفظ الحياة في كيان هذا الفرد، لأن الإسراف يعطب أعضاءه، ويبدد نشاطه، ويضيع عليه في ذات الوقت كل فرصة للسمو والارتفاع -وهو هدف من أهداف الحياة الأصيلة- لأن كل تفكيره ومشاعره تنحصر في هذا الميدان المغلق الحقير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت