الصفحة 58 من 162

ولكن للقوانين في الإسلام مزايا ليست لغيرها في النظم الأخرى، التي تنبع من الأرض ولا تتصل بالسماء، والتي تعمل لحساب طبقة دون طبقة، أو لفرد دون أفراد.

أول هذه المزايا هو ما ذكرناه من قبل، من أن كل حد من حدود الإسلام قد فُرض لصالح الفرد كشخصية مستقلة، ولصالحه كذلك وهو عضو في الجماعة مع غيره من الأفراد.

وحين يحس الفرد أن هذا هو الهدف المقصود من وراء القيد المفروض، وأنه إذ يقف في طريق بعض شهواته لكيلا يؤذي غيره من الأفراد، يحميه كذلك في نفس الوقت من شهوات غيره أن تمتد إليه بالإيذاء. بل يحميه من شهوات نفسه أن تقوده إلى الدمار والفناء.

حين يحس بهذا لا تضطغن نفسه على هذه القوانين، ولا يتمنى زوالها، ولا يعمل على الانتقاض عليها (إلا في الحالات الشاذة دون شك، وسنتكلم عن هذا بالتفصيل في فصل الجريمة والعقاب) ولا تكون العلاقة بينه وبين المجتمع هي علاقة الكراهية العنيفة التي يصورها فرويد وغيره من علماء النفس التحليليين، لأن المجتمع في هذه الحال لن يكون الغول المفترس الذي يتربص بالفرد ليسحقه ويحطم كيانه، وإنما هو الصديق الحازم الذي يحجز بين الأفراد المتخاصمين، ويصلح بينهم، ثم يدعوهم إلى التعاون فيما بينهم بدون احتكاك.

والمزية الأخرى أن القوانين الأرضية لم تنج إلى هذه اللحظة من أن تكون تغليبًا لمصلحة طبقة على طبقة، أو فرد على أفراد. تستوي في ذلك كل النظم المعروفة على ظهر الأرض. ويكفي أن نستمع لطعن الشيوعيين في النظام الرأسمالي، وطعن الرأسماليين في النظام الشيوعي، وطعن الديمقراطيات في النظام الدكتاتوري، والدكتاتوريات في النظام الديمقراطي .. لنعرف أن كل نظام من هؤلاء قد راعى فردًا أو طائفة على حساب بقية الأفراد والطوائف، وأن الذي يَغْلِبُ على أمره في هذه الدول والشعوب يصوغ القوانين لصالحه هو، لينال أكبر قسط من الحرية والاستمتاع على حساب الآخرين.

والأسماء الطنانة كالحرية والإخاء والمساواة، أو الخبز والعمل للجميع، أو الجميع أمام القانون سواء .. الخ، لا تستطيع أن تخفي الحقيقة، وهي أن القوانين تطبق بطريقة تضمن صوالح الغالبين، ولا تعنيها كثيرًا صوالح المغلوبين، حتى في أكثر الأمم عدالة وحرية. فالقانون في انجلترا مثلًا -وهي في نظر بعض الناس مثل أعلى في الديمقراطية- يحمي مصالح النظام الرأسمالي ضد العمال، مهما يكن الصراع خفيًا بين الطبقتين في الوقت الحاضر. وهو في أمريكا أوضح في ذلك وأصرح. أما روسيا فهي تصرح بأن حركتها كانت قائمة على تسويد طبقة العمال و"سحق"طبقة الملاك!

وما دام القانون ينبع من الأرض فهو دائمًا عرضة لتقلبات الحال بين الغالبين والمغلوبين في الأمة الواحدة، وفي المجتمع العالمي كله. ويصدق عليه دائمًا ما يقوله الغربيون"الواقعيون"ويعممونه خطأ على كل النظم بما فيها الإسلام، من أن القوانين تضعها الطبقة الأقوى لحماية مصالحها.

أما النظام الإسلامي فلم تضعه هيئة تشريعية على الأرض. وإنما هو من وحي السماء. ولا مصلحة للسماء في تغليب طبقة على طبقة ولا فرد على أفراد، لأن هؤلاء وأولئك جميعًا عباد الله، وهم سواء من حيث منشؤهم، ومن حيث مآلهم الأخير؛ من قدرة الله خلقوا، وإلى الله يعودون في النهاية فيحاسبهم جميعًا بميزان واحد، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.

والشريعة الإسلامية نظام يطبق على الجميع، لصالح الجميع، ولا يجامل أحدًا على حساب أحد: الحاكم والمحكوم، الغني والفقير، الشريف والعبد، كلهم أمام القانون سواء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت