الصفحة 57 من 162

ذلك صحيح. فالمنع مقصود به مصلحة مجموع الأفراد، وهو يقضي بأخذ الزائد من الواجدين وإعطائه للمحرومين. ولكنه في ذات الوقت ضروري لمصلحة أولئك الأفراد المسرفين كما بينا من قبل.

وشهوة المال أقرب شيء إلى شهوة الطعام والشراب. والعامل الاجتماعي واضح فيها إلى درجة لا تحتاج إلى بيان. فهي في الواقع سبب كل اضطراب في المجتمع حين تترك بلا حدود. والفرد الذي تتملكه شهوة المال يؤذي المجتمع -أي بقية الأفراد- إيذاء شديدًا لا يقف عند حد، ويجرم في حقهم جريمة لا تغفرها الأرض ولا السماء. ذلك لأنه بأنانيته المفرطة -وهو فرد- يحرم المئات والألوف من حق الحياة الإنسانية النظيفة حسًا ومعنى. لأن الفقر لا يقف ضرره عند حرمان الجسد مطالبه الرئيسية، من طعام وشراب وملبس ومسكن محترم، بل يتعدى ذلك إلى إفساد مشاعر الفقير وأفكاره، والهبوط بها عما ينبغي للإنسانية أن تهدف إليه. فهو إما أن يستذل للأغنياء ويفنى فيهم لإرضاء شهواتهم الداعرة، كما يصنع القوادون والبغايا للحصول على لقمة العيش .. وإما أن يحقد عليهم، والحقد شعور غير نظيف من الوجهة الإنسانية، فضلًا عما ينجم عنه من اضطرابات خطيرة في المجتمع، لا تصيب الذين ظلموا منه خاصة.

هذا صحيح، بل هو من القوة والوضوح بحيث يغري بالظن بأن القيود التي فرضت على شهوة المال لم يقصد بها إلا مصلحة المجتمع، على حساب الفرد. ولكن الواقع أن هذه القيود، تمشيًا مع نظرة الإسلام العامة، قد قصد بها كذلك وفي ذات الوقت، مصلحة الفرد الخاصة -لا لإنقاذه من نفسه، ومن الجوع الدائم إلى المال فحسب- بل لإنقاذه أيضًا من ثورة المحرومين عليه حين يثورون فيحرمونه مما يملك، وقد يحرمونه حياته ذاتها، كما يحدث في الاضطرابات العامة. وهكذا تتحد مصلحة الفرد والمجتمع في تشريع واحد.

والحديث عن شهوة الترف يتمشى مع الحديث السابق، لأن الترف من جانب يقابله الحرمان من جانب آخر، فيختل بذلك استقرار المجتمع. يضاف إلى هذا أن مجتمع الكسالى لا يرتقي أبدًا، ولا يأخذ بأسباب القوة التي لا غنى عنها لكي يحتفظ بكيانه، فيتعرض بذلك لخطر الغزو والاستعباد من المجتمعات الأخرى المحتفظة بقوتها ونشاطها.

فالقيد المفروض على شهوة الترف قد فرض لصالح المجتمع، ولكنه -كما بينا من قبل- مفروض لمصلحة الفرد ذاته في عين الوقت.

أما الشهوة الجنسية، فالجانب الاجتماعي منها واضح كذلك، فلن ينتج من الفوضى الجنسية إلا اختلاط الأنساب وتفكك الأسرة واضطراب عواطف الناس. وأهم من ذلك أن الفرد الذي يستغرق في شهواته فرد أناني لا يصيخ لصيحة المجتمع، ولا يشعر بوازع يدفعه إلى التنازل عن بعض لذائذه المستولية عليه، لصالح المجتمع أو الدولة. وقد كانت هذه الأنانية الصارخة هي التي أضعفت فرنسا وفتت في عضدها، بل نخرت في كيانها كالسوس. فما إن واجهت أول ضربة من الألمان حتى خرّت ذليلة تستجدي الفاتحين، وتستعطفهم على عمائر باريس ومراقصها ومواخيرها أن تحطمها قنابل الطائرات!!

فالحدود المقامة على الشهوة الجنسية قد روعي فيها صالح المجتمع بلا جدال. ولكن صالح المجتمع لم يكن وحده المقصود. بل كان مقصودًا كذلك إنقاذ الفرد ذاته من حياة العذاب وعدم الاستقرار.

من هذه الأمثلة ندرك الطبيعة المزدوجة للحدود التي يقيمها الإسلام على شهوات الجسم والنفس. وندرك أن الإسلام لم يفرضها تحكمًا ولا اعتباطًا.

ويتولى الإسلام صيانة هذه الحدود بالتشريع، أي بسن القوانين التي تكفل عدم الاعتداء، والتي تتيح لكل فرد أن يعمل، ويستمتع، ويوجه نشاطه الحيوي في كل وجهة ممكنة، بحيث لا يؤذي في أثناء ذلك كله أحدًا غيره من الأحياء، ولا يضيق على هذا الغير فرصة الاستمتاع بالحياة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت