وهو لا يسير على هذه القاعدة العامة في شهوات الجسد فحسب، بل يتبعها كذلك في الشهوات النفسية: كشهوة المال. أو"التملك"بصفة عامة.
فقد بينا من قبل أنه يبيحها ويعترف بها من حيث المبدأ، ومن حيث إنها شعور في النفس لا ينبغي كبته ولا مطاردة الإحساس به، كما تصنع بعض المذاهب الاجتماعية الحديثة.
ولكن إباحته على إطلاقه تنقلب به إلى شهوة جامحة مقعدة مقيمة. وكلنا نعرف حالة"جامع المال"الذي يقضي حياته كلها في جمعه، ويحتمل في ذلك عذاب الهون، وقد يذل نفسه للحصول عليه كما يقول الشاعر:"أذل الحرص أعناق الرجال". ولا يستمتع به بعد ذلك كله. لأن جمعه يصبح غاية في ذاته، لا وسيلة لغاية أخرى أرفع وأنبل. وهكذا تنقلب اللذة الأولى الناجمة من الاستكثار من المال، شغلًا دائمًا للبال، وقلقًا للأفكار، وجشعًا لا يرتوي، بل يزداد حدة كلما ازداد المال كثرة!
ويحضرني هنا قول معبّر لأحد السكيرين إذ يقول:"إنني حين أشرب الكأس الأولى، أصبح شخصًا جديدًا يحتاج إلى كأس ثانية!"وهو شديد الانطباق على الشهوات جميعًا وشهوة المال خاصة. فإن الذي يملك مليونًا من الجنيهات يصبح شخصًا جديدًا يحتاج إلى مليون آخر، وهكذ!
فحين يحرم الإسلام الكنز ويقول القرآن في ذلك:"وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ"...
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم:"من جمع دينارًا أو درهمًا أو تبرًا أو فضة ولا يعده لغريم ولا ينفقه في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة"....
يكون هدفه الاحتفاظ بالفطرة السليمة للفرد، وحمايته من نفسه، ومن العذاب الذي يقع فيه لو ترك بلا قيود ولا حدود.
نخرج من هذا الاستعراض بفكرة مؤكدة لا تمحل فيها ولا ادعاء: هي أن القيود التي يفرضها الإسلام على شهوات الفرد -بعد أن يحتاط من كبتها في اللاشعور- هي قيود منظور فيها لمصلحة الفرد كفرد، وليست مفروضة عليه لشهوة التحكم والاستعباد!
ولكنها في الوقت ذاته مفروضة عليه أيضًا لصالحه جين يجتمع بغيره من الأفراد في هيئة مجتمع. وقد أشرت إشارة عابرة من قبل -سأعود إليها في بحث مفصل- إلى أن المجتمع حاجة نفسية للفرد لا يستطيع الاستغناء عنها ولا الحياة بدونها. فلو أن قيودًا فرضت على الفرد لصالح المجتمع وحده، لما كان في ذلك افتئات على كيان الفرد، لأن هذا المجتمع جزء من كيانه في الواقع. ولكن الذي أريد أن أؤكده بالنسبة إلى الإسلام، أن القيود التي يفرضها على الفرد لصالح المجتمع، هي ذاتها القيود التي فرضها عليه من قبل للمحافظة على كيانه ومصلحته الفردية. فلا تعارض في الإسلام بين مصلحة الفرد -كشخصية مستقلة- ومصلحته وهو جزء من المجتمع الكبير. وكل قيد يُفرض هو قيد ذو شعبتين تعملان معا وفي آن واحد: إحداهما لمصلحة الفرد، والأخرى لمصلحة المجتمع. وكل حرية تباح هي كذلك حرية ذات هدفين في آن واحد: أحدهما لصالح الفرد، والآخر لصالح المجتمع.
ونضرب لذلك الأمثلة ...
إن منع الإسراف في الطعام والشراب هدف اجتماعي: لأن ذلك الإسراف يخل بتوازن المجتمع إخلالًا يؤدي إلى الفوضى والاضطراب، إذ يجعل بعض الأفراد يستهلكون أكثر مما ينبغي لهم، فيترتب على ذلك حتمًا أن يوجد أفراد لا يجدون القدر اللازم لهم من الطعام. وينشأ من ذلك تغير القلوب، وتغلغل الحقد في نفوس المحرومين. وهذا بدوره يؤدي إلى ثورتهم على الواجدين المترفين. فيضطرب سير الأمور، ويتحول نشاط البشرية من الخير المرجو إلى الشر الكريه.