الصفحة 139 من 162

والفارق الاجتماعي والإنساني، الذي ينشأ من هذا الشعور، هائل كذلك. فحين يكون الجنس غاية في ذاته، لا يحس الفرد بأي احترام لتنظيمات المجتمع التي تضع القيود على التنفيذ، لأن هذه التنظيمات قائمة على الأساس الآخر، وهو وجود هدف وراء الغريزة أسمى منها وأجدر بالاعتبار. ولن يجد كذلك طعمًا للمشاعر الإنسانية الرفيعة، لأن هذه تفترض منذ البدء أن النزعات الفطرية كلها -والجنسية من بينها- ذا درجات متفاوتة بين الهبوط والصعود، أعلاها هو أبعدها عن منبع الغريزة، وأدناها هو أقربها إليه.

ومن هنا يهبط الناس في الناحية الاجتماعية والإنسانية هبوطًا شائنًا حين يؤمنون بأن الجنس غاية في ذاته، ويرتفعون، كل بقدر ما أوتي من عظمة ومقدرة، حين يؤمنون بوجود هدف آخر (بل عدة أهداف كما سيجيء) وراء اللذة البهيمية الخالصة.

وهذا الهبوط والارتفاع يصدقان على كل النوازع الفطرية، ولكنهما أشد بروزًا في المسألة الجنسية وأعمق أثرًا، لما سبق أن بيناه في مبدأ هذا الفصل من عنف الطاقة الجنسية وتعمقها في مسارب النفس، وسيطرتها على عدد هائل من المشاعر والأعمال. ولذلك كانت الأخلاق، وهي مسألة شاملة لكل تصرفات الإنسان، أشد اتصالًا بالمسألة الجنسية منها بأي أمر آخر. ححتى صار أول ما يتبادر إلى الذهن عند سماع كلمة الأخلاق هو طريقة الشعور بالدافع الجنسي، وطريقة الاستجابة إليه.

الهدف الأول القريب هو النسل. وهو الذي بينته الآية التي تقول:"نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ".

ولكن الإسلام لا يأخذ الحياة تفاريق. إنه ينظر إليها ككل أكبر، ثم يوفق بين الجزئيات في تناسق عجيب، بحيث يتألف منها في النهاية هذا الكل المتناسق المتآلف، في ذات الوقت الذي تؤدي فيه كل جزئية عملها الخاص على أوفق وضع وأجدره بإنتاج النتيجة الصحيحة. ومن ثم كانت كل جزئية تؤدي -على الأقل- وظيفتين في وقت واحد: وظيفتها الخاصة القريبة، ثم نصيبها من التناسق الأعظم في الكل الكبير.

رأينا ذلك من قبل في نظرة الإسلام للفرد والمجتمع، وتنسيقه كل شرائعه وتوجيهاته على أساسها، إذ اعتبر للفرد صفتين في آن واحد: صفته كفرد مستقل، وصفته كعضو في الجماعة، ثم وافق بين مطالبه الفردية والاجتماعية بتشريع واحد ذي شعبتين، يتحقق به في ذات الوقت صالح الفرد وصالح المجموع.

ونراه الآن في المسألة الجنسية. فإذا ألقى الله في قلب كل جنس ميلًا للجنس الآخر، فالإسلام يهدف من وراء ذلك أولًا إلى إنتاج النسل. وهو الوظيفة القريبة المباشرة. ولكن هذا جزء من تناسق أكبر. فهناك الأسرة، التي تستجيب لمشاعر الألفة في نفس الرجل والمرأة استجابة كاملة، لا تتيسر بنوعها ومداها ودوامها في أية علاقة أخرى يمكن أن تقوم بين فردين. وتستجيب في ذات الوقت لمطالب الأطفال، الذين أنجبتهم في المرحلة السابقة -أو في الجزئية التي سبقت هذه في الترتيب. وفي الأسرة تتربى الطفولة على مشاعر الحب، التي تخفف من شهوة الصراع الذي تدفع إليه طبيعة الحياة"وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ". فيتحقق بذلك أكبر قسط من السعادة لهؤلاء الأطفال أنفسهم، ولآبائهم من قبل، وهم في الوقت ذاته نواة المجتمع المستقبلة، منهم يتكون الجيل الجديد الذي يحكم المجتمع عما قليل. وهكذا تكون الأسرة التي شملت جزئيات أصغر منها، في تناسق وتوافق كاملين، جزئية في نظام أكبر منها، تؤدي وظيفتها الخاصة القريبة، ووظيفتها الأخرى في التناسق الاجتماعي وهو أوسع مدى وأشمل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت