هذا، وأنا لم أذكر جميع نواحي الخير، ولم أستوف أنواع المحاسن في نظام الاقتصاد الإسلامي، لأنه من العسير أن تتسع عجالة مختصرة كهذه العجالة لبيان ما اتخذه الإسلام من أحكام في القيام على الضياع والمزارع، والفصل في الاختلافات التجارية والوفاء بالعقود. وما للإسلام من طرق وأساليب في جمع رؤوس الأموال وإقامة الصناعات والحرف. وكنت أحتاج إلى مجال واسع لو أردت أن أفصّل للقارئ ما في الإسلام من مبادئ الحرية المحمودة في الاتجار، وتعففه عن إرهاق الناس بالضرائب، واستغنائه عن المكوس عند نقل السلع والبضائع التجارية في داخل البلاد. فضلا عن عنايته في تضييق الميزانيات الرسمية في البلاد الإسلامية، واقتصاده في نفقات الإدارة المدنية والترتيبات العسكرية، وتخفيفه عن الناس في الرسوم القضائية. وأين حكمة الإسلام واعتداله في الجباية والصرف من توسع الآخرين في فرض الضرائب الباهظة والإسراف الشائن في إنفاقها بغير ما يعود على المجتمع بالفلاح والصلاح؟ إن تفاصيل موقف الإسلام في نظامه الاقتصادي تحمل البرهان في نفسها على أنه رحمة شاملة للمجتمع. ومن نظر إليه بعين الإنصاف، وترفع عن التعصب في حكمه عليه تبين له أنه خير الأنظمة الاقتصادية للإنسانية كلها وأنفع لها من الأنظمة الأخرى التي عرفها الناس. وقد أبطأ الناس في الوصول إلى هذه الحقيقة لأنهم متأثرون بعوامل البيئة، وبالتعاليم التي يدرسونها، والطرق التي يرون التعامل بها قد عمّ وأصبح هو الغالب على الناس.
ومن الخطأ العظيم الذهاب إلى أن النظام الاقتصادي الإسلامي وحده يكفل النجاح الإنساني والفلاح البشري، إلا إذا اقترن بالعقائد الإسلامية والتعاليم الخلقية وأساليب الإسلام الاجتماعية والمدنية. فنظام الإسلام الاقتصادي وثيق الارتباط بنظم الإسلام الأخرى السياسية والتشريعية والمدنية والخلقية، وبمناهج الإسلام الاجتماعي وأسلوبه في الحكم. أما نظام الإسلام الخلقي فيرجع في أصله إلى عقيدة لا يزعزعها شيء، وهي أن يكون المرء مؤمنًا بإله حي قائم عالم بالغيب قادر على كل شيء، وأن يوقن بأن ربه يحاسبه على كل ما يصدر عنه، وأن له معادًا إلى حياة أخرى بعد مفارقة روحه لجسده، ثم يقوم بين يدي الله العادل فيجزيه على أعماله بالخير خيرًا وبالشر شرًا. وأن يكون كذلك مؤمنًا بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد أرسله الله إلى البشر كافة بكتاب فيه منهاج الحياة وتعاليم الأخلاق، وأن نظام الإسلام الاقتصادي جزء من الرسالة المحمدية وتعاليمها لا ينفصل عنها، وكل ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في موضوع الاقتصاد والمال فهو مما أوحي به إليه من ربه. فمن لم يتقبل بالقبول الحسن هذه العقيدة بجملتها وتفصيلها، ومن لم يوطن نفسه على العمل بنظام الإسلام الخلقي بحذافيره، وبمنهاج الإسلام الشامل للحياة البشرية كلها، واقتصر على الأخذ -من منهاج الحياة الإسلامي- بنظامه الاقتصادي وحده، فإنه لا يتمتع به إلا قليلًا، بل لا يقدر على العمل به تامًا كاملا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين