هذا الأسلوب من أساليب الحكم يزيد ضرره بالحضارة على نفعه لها، ولو فرضنا أن لوازم الحياة توزع بالقسط في هذا النظام فإن ذلك لا يقام له وزن في جانب المضار التي يجرها على المدنية البشرية، لأن التقدم في المدنية منوط بتكافؤ الفرص للناس ليتمكنوا من إبراز كفاياتهم المختلفة والمتشعبة، وليعلموا بحسب مواهبهم وفي نطاق قواهم الفكرية. وكيف يتأتى ذلك لهم في نظام يكون الناس فيه جوارح لا تتحرك بإرادتها، وإنما تدبر لهم المشاريع وترسم لهم الخطط بحيث تكون أزمة أمورهم، بل نفوسهم، في أيدي الذي يدبرون المشاريع ويرسمون الخطط ليعلموا في نطاقها؟ ومهما تكن تلك الفئة القليلة ذات كفايات نادرة ومواهب فذة، ومهما تكن حريصة على الصالح العام، لا يمكنها أن تحيط علمًا بأحوال الملايين من الرجال لتكتشف كفاياتهم وتختبر ميولهم وتشعر بعواطفهم ونوازعهم، فليس في مقدورها ولا في مقدور أحد الوقوف على كفايات هؤلاء الملايين وتقدير مواهبهم لترسم لكل واحد منهم خطة العمل التي تلائم هواه. لا جرم أنها تخطئ في تقدير المواهب ومعرفة الميول لكل فرد من أفراد المجتمع، فهي تقصر جهودها على أن تجعل جميع من تحت سيطرتها عاملين بما ترسمه لهم من الخطط. وبذلك يزول جمال الحضارة وبهاؤها لأن روعة منظرها وبهجة مظهرها تبع لما يتوالى عليها من تنوع وتفنن، وبزوالهما يزول رونق المدنية، وينشأ مستوى واحد تافه فيكون المجتمع البشري كالجسم إذا فارقته الروح، فيقف تقدم الحضارة الفطري، ويحول بينها وبين رقيها الطبيعي سد منيع تسير الحضارة معه في طريق مخالف لطبيعة الكون، ويكون التقدم فيه معقدًا ومرتبكا ومتكلفًا، ويفضي ذلك إلى أن تتقلص القوى الإنسانية وتصاب بالشلل فيسري إليها الوهن والضعف، ثم يتمخض عن ذلك الانحلال الخلقي والهبوط الفكري، ويتطور المجتمع البشري بالانحدار إلى أسفل في هوة سحيقة الغور، وما الناس بأعشاب في حديقة يشذ بها البستاني وينسقها كما تهوى نفسه. إن كل إنسان قد منحته الفطرة الإلهية من المزايا ما يختص به، ومن حقه أن ينشأ نشأة فطرية يتكيف فيها بحسب مواهبه، فإذا سلبته حريته، وحرمته قوام حياته، فلا تنتظر منه أن يتقدم بحسب"خطتك المرسومة"بل توقع منه أن يخرج عليك ويطغي، أو يموت حتف أنفه.
والخطأ الأعظم الذي ارتكبته الشيوعية أنها جعلت مسألة الاقتصاد محور الحياة الإنسانية، وأدارت حولها جميع مسائل البشر. فهي لا تنظر إلى مسألة من مسائل الإنسان نظرة تحقيق واستقصاء، بل تنظر إليها نظرة ملؤها عصبية شديدة للاقتصاد، لذلك تراها لا تمس بالبحث والتفكير أي مسألة ترجع إلى الإلهيات أو الأخلاق أو التاريخ أو العلوم الطبيعية أو العمرانية، إلا وهي متأثرة بنظريتها الاقتصادية الجامحة، وتعصبها الشديد للجانب الاقتصادي من الحياة البشرية. فالشيوعية لا تخرج من نطاقها الضيق الذي قد نسجته حولها. ولأجل هذه النظرة الضيقة في نظامهم اختل عندهم التوازن في الحياة.
الطريقة الفاشية
تبين لك مما تقدم أن حل المشكل الاقتصادي بالأساليب التي اتبعها الشيوعيون لا يصلح الفساد، وليس بالحل الطبيعي الصحيح الصالح لأنه مخالف للفطرة الإنسانية.