وهب أن هذه الشرذمة القليلة لا تسكرها القوى العظيمة، ولا تبطرها السيطرة الشاملة، ولا تحيد عن الحق، ولا تضل عن الصراط السوي، وأنها تسوس البلاد سياسة عادلة نزيهة فهل يأتي للأفراد -في مثل هذا الأسلوب من الحكم- أن ينالوا من تكافؤ الفرص ما يبرزون به كفاياتهم، فيتمكنون من القيام بالأعمال التي تلائم مواهبهم وتحفزهم إليها غرائزهم؟ إن الفرد في مسيس الحاجة إلى التقدم في مضمار الحياة، وإبراز كفايته مع قدر غير قليل من الحرية، وأن يكون له طائفة من الوسائل يصرفها ويستعملها كما يرى، ليتمكن من إبراز كفايته واستعمال مواهبه، وهذا لا يتسنى في النظام الشيوعي. لأن الوسائل غير مباحة فيه للأفراد، بل تستأثر بها الهيئة المنظمة. وهذه الطائفة القليلة التي تمثل المجموع قد لا تمكن الأفراد من وسائل الرقي كما يبتغون، لأنها تستعمل الوسائل فيما تحسبه صالحًا للجماعة، فلا بد للأفراد -إذا أرادوا أن يتمتعوا بالوسائل- أن يجعلوا أهواءهم وميولهم موافقة لهوى الهيئة المنظمة وميولها، بل يجب عليهم أن يسلموا إليها زمامهم ويملكوها أنفسهم، لتصوغهم في بوتقتها التي اتخذتها للمجتمع. ومثل هذه السيطرة الشاملة تدفع جميع أفراد المجتمع إلى أيدي لفيف من رجال الحكم كما تدفع المواد الخام -من الحديد والرصاص- إلى المصانع. وكما تتخذ الأحذية من الجلود والآلات من الحديد، كذلك ينزل الأفراد من هذه الهيئة المنظمة منزلة الجلود من الحذّائين والحديد من أرباب المصانع. وبهذا تملك تلك الفئة القليلة على سائر أفراد الأمة أهواءهم وميولهم، وتغلبهم على عواطفهم ونزعاتهم، وتتصرف فيهم كما يتصرف الكاتب في قلمه، والرسام في ريشته.