وذلك أن وسائل الإنتاج، وتوزيع المصنوعات والمنتجات، مهما يدّعي مدّع أنهما قد فوّض أمرهما إلى الجماعة، فإنهما لا يباشر القيام بهما إلا هيئة قليلة العدد من الرجال المنظمين. وهؤلاء المنظمون -حتى لو انتخبتهم الجماعة في بداية الأمر- إذا تمت لهم السيطرة على جميع وسائل الاقتصاد ومتاع الحياة، يستبدون بالأمر استجابة لما في الطبيعة الإنسانية من الأثرة والاستبداد. فتصبح الجماعة عاجزة أمامهم لا تملك من أمرها نقيرًا ولا قطميرًا، ولا يقدر أحد في البلاد أن يخالف تلك الهيئة المنظمة المالكة لناصية الأمر والمتصرفة في الحاصلات والمنتجات والمصنوعات. ولا يجرؤ أحد أن يدعو الناس إلى أن يثوروا على تلك الهيئة القوية التي تملك على الأمة حياتها وموتها. ومن سخطت عليه تلك الطائفة المسيطرة يضيق بالحياة ذرعًا، ويحرم حتى القوت الذي هو قوام حياته، لأن الهيئة المنظمة بيدها جميع مرافق الحياة، وهي التي تتولى توزيعها، وكذلك العمال والأجراء لا يخطر ببالهم الإضراب عن العمل إذا سخطوا عندما يسيء إليهم صاحب المصنع، إذ لا يكون في البلاد الشيوعية ملاك كثيرون للمصانع حتى يتسنى للعامل إذا لم ترتح نفسه في مصنع أن يلجأ إلى مصنع آخر غيره. زد على ذلك أنه ليس في النظام الشيوعي إلا هيئة واحدة تحكم البلاد وتملك المصانع. فالعامل يوم يضيق ذرعًا بالمعاملة السيئة التي يعامل بها في المصنع لا يجد سبيلًا إلى الخلاص منه، وليس له ملجأ منه إلا إليه. ثم إنه لا يستطيع أن يستميل بنشاطه السياسي آراء العمال وميول الدهماء. إن الشيوعية قد آل أمرها إلى أن يتمثل فيها جميع الأغنياء من الرأسماليين، فتحولت إلى غني واحد رأسمالي، لأن ما كان من الثروة موزعًا بين كثيرين من الرأسماليين أصبح متركزًا ومجتمعًا في كيان واحد، وقد زال ملاك المصانع وإقطاعيو الزراعات وظهر في مكانهم مالك واحد وإقطاعي واحد فتملكها جميعًا. وهذا الواحد يمثل نوعي الاستبداد والحكم المطلق: النازية والقيصرية.
ومن المضحك أن يقال دفاعًا عن هذا الواحد المستبد: إنه لا يطغي ولا يظلم ولا يبخس حقًا ولا يميل في الحكم ولا يجور في القضاء. ومن ذا الذي يأخذ على يده إذا امتدت للظلم وهي كما علمتم قوية من حديد؟ ومن ذا الذي يردعه إذا مال مع الهوى في الحكم وجار عن سواء السبيل؟ بل من ذا الذي يجرؤ على معارضته إذا غمط حقًا من حقوق الناس وهو لا يؤمن بالله ولا بالحياة بعد الموت ولا بالجزاء على الشر؟