الصفحة 13 من 25

ومن سوء حظ الإنسان أن المقاييس الخلقية والنظم السياسية والمبادئ الثانوية أيضًا قد تأثرت بهذا النظام الاقتصادي الخبيث واصطبغت بصبغته، فترى معلمي الأخلاق في شرق الدنيا وغربها وشمالها وجنوبها يدعون إلى الاقتصاد في المعيشة لادخار الثروة وكنزها، ويوصم بالحماقة من ينفق جميع ما يكتسب، ويعد ذلك منه عارًا وجهلًا. فكل معلم يحض كل واحد على أن يدخر من دخله جزءًا ويودعه في صندوق التوفير، أو يشترك به في شركات التأمين، أو يشتري أسهما في شركة ما. فكأن الذي يهلك به الإنسان يعدّ اليوم معيارًا للخير حتى في نظر الأخلاق.

أما القوة السياسية فقد استولى عليها النظام الشيطاني الفاسد، ومن العبث أن يرجى منها رفع هذا الظلم عن الإنسان، بل هي أصبحت عاملًا قويًا من عوامل الظلم. وإذا نظرت في مختلف الأقطار وجدت الانتهازيين ورجال السوء على كراسي الحكم. وللنظام السياسي يد قوية في سن القوانين، فتلك القوانين الموضوعة بأيدي الساسة جعلت الأقوياء أحرارًا، وأطلقتهم من كل قيد، فلهم أن يبذلوا جهودهم في سبيل أغراضهم الشخصية ومصالحهم الذاتية مما يضر الجماعة أيما ضرر.

لقد انهار صرح النظام القديم، ولم يبق في أعين الناس معنى للحلال والحرام، وزالت الحدود بينهما. فكل سبيل منظمة تسلك للابتزاز والضرر مباحة في القانون: فلك أن تصنع الخمر وأن تبيعها في السوق، ولك أن تتخذ بيوت الدعارة أو الخلاعة. ولا جناح عليك أن تؤلف رواية خليعة مليئة بالفحشاء والمنكر، ومن السهل عليك أن تجد من يمثلها على المسرح من رجال متعلمين ونساء مثقفات فتربح من ورائها. ولا يمنعك مانع من أن تكتب المقالة المنكرة الملأى بما يفسد الأخلاق، ويثير من غرائز الشاب أرذلها، ولك أن ترسم صورًا تلهب العواطف الجنسية في الناشئة فلا يأخذ على يديك أحد. وإذا رغبت في القمار والميسر فإن أمامك له أنواعًا عديدة تلعب بأيها شئت، وأقربها هذا اليانصيب. وإن شئت افتتحت مؤسسة للمراباة. كل ذلك تستطيع أن تفعله في كل مكان، لا يمنعك منه قانون ولا تؤاخذك عليه دولة. بل القانون يحميك ويحفظ حقوقك في ذلك؛ فكل مال ادّخره مدخر بهذه الطرق يريد القانون أن يبقى مجموعًا بعد موت صاحبه غير مفرق. يؤيد ذلك ما جرت عليه قوانين بعض الدول من توريث أكبر الأولاد جميع ما يتركه الميت. وأباحوا مبدأ التبني، ومبدأ الأسرة المشتركة، ونتيجة ذلك كله أن ما يتركه الغني بعد موته من أموال جمة وثراء عظيم أو عقار وافر أو ضياع كثيرة يبقى مجموعًا غير موزع.

في مثل هذه الظروف يتساءل المرء: أي نظام يكفل بحاجة كل إنسان يمشي في أرض الله، وكيف تتكافأ الفرص لكل أحد فيستطيع كل ذي كفاءة أن يبرز كفايته ويتقدم بها في معترك الحياة؟

جواب الشيوعيين

تتقدم الشيوعية وأخواتها فتعرض حلا لهذه المعضلة الاقتصادية. والحل الذي تأتينا به قائم على أنها تنزع عوامل الاستغلال ووسائل الثروة من أيدي الأفراد فتحرم عليهم امتلاكها، وتدفع بها إلى الجماعة، وتفوض توزيع متاع الحياة ومرافقها أيضًا إلى الجماعة نفسها. وهذا الحل قد يخيل إلى من لم يتدبر عاقبته أنه جميل رائع، لكنه كلما أمعنت فيه نظرك، وأحسنت التأمل فيه، بدت لك من فساده نواح عديدة. ثم لا تتمالك إلا أن تعترف بأن مصير هذا الحل يجر شرورًا لا تقل عن الفساد الذي يراد إصلاحه.

إذا استشفيت من داء بداء ... فأقتل ما أعلّك ما شفاكا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت