الصفحة 12 من 25

(3) والبلاد التي لا تجد سبيلًا للتخلص من أزمة مالية تجرّها عليها المصنوعات الصادرة أو المنتجات الأجنبية تقع فريسة للدول الصناعية والبلاد الغنية بالمعامل والإنتاج. لأن أولئك الجشعين لا يكتفون ببيع ما تكدّس عندهم من مصنوعات بلادهم في أسواق البلاد المتأخرة في صناعتها، بل يصرفون من ثروتهم المدخرة -ما لا يمكنهم صرفه في وجوه التجارة والصناعة في بلادهم- حيث يجدون الصناعة متأخرة من بلاد أهلها بؤساء أنكاد، فيجر ذلك إلى أن تواجه هذه البلاد المتأخرة في صناعتها مثل المشكلة الاقتصادية والأزمة المالية التي سبق أن واجهتها البلاد الراقية والدول المتمدنة صاحبة هذه المصانع، لما لم يستردّ أصحاب الثروة والرأسماليون ما صرفوه في المصانع والمتاجر والمناجم من رؤوس أموالهم، فيصرفون معظم ما ربحوا من المال الجم والثراء الضخم في تجارة أخرى رابجة، فتثقل على البلاد الديون التي ترزح تحتها، ويفضي الأمر إلى أن تلك البلاد لو بيعت لا يساوي ثمنها ما أثقلوا به كاهلها من الديون، وإذا استمرت هذه الحال، ودارت عليها دورة فدورة، لا يكون مصير العالم إلا الفقر المدقع والأزمة العالمية الشديدة، ولا يبقى في الأرض بقعة سالمة يلجأ إليها من هذه الأزمة طمعًا في إنقاذ قطر أو أقطار من بلائها. وهل للإنسان بعد ذلك إلا أن يفكر في الخروج إلى عالم آخر -كالمريخ أو عطارد- يبحث له فيه عن أسواق جديدة يصدر إليها مصنوعاته الوافرة ومنتجاته الفاضلة؟

إن عددًا قليلًا من أصحاب المصارف المالية وأرباب الذخائر المتكدّسة وملاك الصناعة ودهاقين التجارة، قد تسلطوا بالصراع الاقتصادي على جميع أسباب الحياة ومرافقها وطرق إنتاجها، فأصبح العالم كله عاجزًا أمام هؤلاء الرأسماليين لا يستطيع أن يحرك ساكنًا أو يوقظ نائمًا، ولا يقدر على تغيير تيار السياسة الاقتصادية والشؤون المعاشية، وأعيت مشكلة الاقتصاد كل الناس فأصبح الواحد منهم مكتوف اليد لا يكاد يقدر أن يشتغل بعمل بدافع من غريزته، ولا أن يستخدم مواهبه وقواه في مهنة شريفة حرًا طليقًا ليأخذ حظه من نعم الله الواسعة المبثوثة في الأرض. وكذلك لم يبق للتاجر القليل المال، ولا للصانع المتواضع أو الفلاح المتوسط الحال، سبيل لأن يعملوا بدافع من هوى أنفسهم وبما يلائم غرائزهم، وذلك لأن هؤلاء الضعفاء قد كبلت أيديهم بأيدي الأغنياء القابضين على ناصية التجارة والصناعة وغيرهما من مصادر الكسب ووسائل العمل، فأصبحوا كالآلات بأيديهم. وهؤلاء الرأسماليون الغلاظ الأكباد لا يمكنون الضعفاء إلا من الرزق التافه والكسب الذي لا يسد الخلة ولا يكفي بعض الحاجة، يستنزفون في سبيله ما يملكونه من قوة وأقوات وتفكير، وترتب على ذلك أن الإنسان أصبح حيوانًا راتعًا لا يفكر إلا بتحصيل طعامه وشرابه ولباسه، وقليل من المجدودين من تسنح لهم فرصة تهذيب الأخلاق وتزكية النفس وتربية الفكر، وأقل منهم من يجد فراغًا من نشاطه المعاشي ليقوم بعمل آخر غير إشباع بطنه، لأنهم لا يجدون سعة من الوقت -في ليل أو نهار- للعمل فيما ينعش القوى العالية التي أودعها الله في النفس الإنسانية. فالنظام الفاسد المستولي الآن على الناس بلغ فيه الصراع الاقتصادي مبلغًا من الشدة تكاد لا تسلم من مفاسده نواحي الحياة الأخرى لتبقى مستقيمة في الطريق الإنساني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت