الصفحة 8 من 183

(( بيد أن موقف علوم الحياة يختلف عن ذلك كل الاختلاف، حتى ليبدو كأن الذين يدرسون الحياة قد ضلوا في غاب متشابك الأشجار، أو أنهم في قلب دغل سحرى، لا تكف أشجاره التى لا عداد لها عن تغيير أماكنها وأحجامها! فهم يرزحون تحت عبء أكداس من الحقائق، التى يستطيعون أن يصفوها، ولكنهم يعجزون عن تعريفها أو تحديدها في معادلات جبرية0 فمن الأشياء التى تراها العين في عالم الماديات، سواء كانت ذرات أم نجومًا، صخورًا أم سحبًا، صلبًا أم ماء000 أمكن استخلاص خواص معينة كالثقل والأبعاد الاتساعية00 وهذه المستخلصات- وليست الحقائق العلية- هى مادة التفكير العلمى00 وملاحظة الأشياء تمدنا فقط بأقل صور العلم شأنا، ونعنى بها الصورة الوصفية0 فالعالم الوصفى يرتب الظواهر0 بيد أن العلاقات التى لا تتغير، بين الكميات غير القابلة للتغيير- أى القوانين الطبيعية- تظهر فقط عندما يصبح العلم أكثر معنوية0 وما ذلك النجاح العظيم السريع الذى نراه في علمى الطبيعة والكيمياء إلا لأنهما علمان معنويان كميان0 فعلى الرغم من أنهما لا يدعيان أنهما يكشفان القناع عن الطبيعة النهائية للأشياء، فإنهما يمداننا بقوة التنبؤ بحوادث المستقبل، وتقرير كيفية وقوعها طبقًا لإرادتنا0 وبتعلمنا سر تركيب المادة وخواصها استطعنا الظفر بالسيادة تقريبًا على كل شئ موجود على ظهر البسيطة00 فيما عدا أنفسنا00

(( ولكن علم الكائنات الحية بصفة عامة- والإنسان بصفة خاصة- لم يصب مثل هذا التقدم00 إنه لا يزال في المرحلة الوصفية00 فالإنسان كل لا يتجزأ، وزفى غاية التعقيد، ومن غير الميسور الحصول على عرض بسيط له، وليست هناك طريقة لفهمه في مجموعه، أو في أجزائه، في وقت واحد0 كما لا توجد طريقة لفهم علاقاته بالعالم الخارجى0

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت