وعلى هذا ليست الحياة الإنسانية من أولها إلى آخرها إلا ساحة للحرب القائمة بين الإنسان الداخلي والحيوان الخارجي، فالحيوان الخارجي يدفع الإنسان الداخلي إلى الأسفل، وبعد أن يجعله تابعًا لنفسه يشق بواسطته طرقًا معوجة مشحونة بالظلم والعدوان والفحشاء والمنكر والإثم والبغي محفوفة بعبادة شهوات النفس ولذائذها والالتواء في العلاقات الإنسانية. أما الإنسان الداخلي فلا يرضى لنفسه بهذا اللون من الذل فيثور على الحيوان الخارجي، إلا أنه أثناء محاولته لتسخير الحيوان الخارجي واستذلاله واستعباده يميل إلى طرق معوجة أخرى فيها الرهبانيةوالرغبة عن الدنيا واضطهاد النفس والعدول عن الحاجات الفطرية والفرار عن تبعات الحياة الاجتماعية، فهناك يتمرد عليه الحيوان الخارجي مرة أخرى ويجره إلى طرقه المعوجة.
فهاتان القوتان للإفراط والتفريط تثور كل واحدة منهما على الأخرى من حين لآخر. وبتأثير كل واحدة منهما في الأخرى ينشأ في الدنيا من النظريات والمبادئ والمناهج العملية ما يشتمل على عناصر للحق وعناصر للباطل، والإنسان يجرب هذه المبادئ والنظريات والمناهج العملية حينًا من الدهر، وأخيرًا فإن فطرته الحقيقية، التي نحن دائمًا إلى الصراط المستقيم، تسأم الطرق المعوجة وتبدي عليها سخطًا وتنبذ ما يكون فيها من العناصر الباطلة نبذ النواة حتى لا يبقى منها في الحياة الإنسانية إلا الحق والصدق (كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ) ، ولكن ما أن تفشل المجموعة الداعية إلى الإفراط أو التفريط حتى تأتي إلى الحلبة مجموعة أخرى داعية إلى الإفراط والتفريط وتستعر الحرب مرة أخرى بين المجموعة الجديدة من الإفراط والتفريط إلى مدة من الزمان، ثم ترفض الفطرة الإنسانية هذه المجموعة أيضًا لنفس الأسباب التي كانت قد رفضت بموجبها المجموعات السابقة المختلطة من عناصر الحق والباطل.
فهكذا نجد أن ارتقاء الحضارة الإنسانية على مر التاريخ إنما يتمثل في صورة خط منعرج يتقاطع مع خط مستقيم مرة بعد مرة كما هو ظاهر في الرسم الآتي:
ففي هذا الرسم، الخط (ا=ب) هو الطريق الفطري للحياة الإنسانية الذي يعبر عنه القرآن بكلمات الصراط المستقيم والرشد والهدى وسواء السبيل وسبيل الرب وما إليها. لقد كانت الإنسانية على فطرتها في بدء الأمر (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) ثم ظهرت في الناس ميول إلى تعدي حدودهم المشروعة (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) . فهذه الميول ما زالت تحيد بالإنسان بعيدًا عن الصراط المستقيم الفطري مرة بعد أخرى، ولكن في كل مرة نجد أن مرارة التجارب وقلق الفطرة الإنسانية يجبرانه على الرجوع إلى طريق الفطرة، ولكن الإنسان ما كان يرجع إلى طريق الفطرة إلا ليبتعد عنه مرة أخرى إلى الجهة المعاكسة ثم يجد نفسه مرة أخرى مضطر إلى الرجوع إلى طريق الفطرة.
فالذي يعبر عنه هيجل بالدعوى وجوابها، إنما هو الميول المتطرفة التي تجر الإنسان إلى هذا الجانب من الخط المستقيم مرة وإلى الجانب المعاكس له مرة أخرى، وإن الذي يعبر عنه بالتركيب والمزج، إنما هو النقط التي يلتقي عليها الخط المنعرج مع الخط المستقيم ويقاطعه.
إن هيجل وماركس وجدا في التاريخ هذا الخط المستقيم، ولكنهما ما استطاعا أن ينظرا ذلك الخط المستقيم الذي هو مرسوم من الأزل إلى الأبد، والذي تقتضيه فطرة الإنسان من داخله، والذي بوجوده خلال هذه الطرق المعوجة يشكل حقيقة يشهد بها كل قلب واع متأمل، والذي فطر كل إنسان على البحث عنه وبلوغه.