واستجاب الناس .. فاندفعوا من كل مكان بلا خوف يرددون نداءات الإيمان (آمنا برب الغلام) .. (آمنا برب الغلام) .
ففي لحظة الانطلاق من قيود الوهم والجهل ..
وفي لحظة العزة بعد القهر والذل ..
وفي لحظة القوة بعد الوهن والضعف .. يؤمن الناس.
(فأتى الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر؟ قد والله وقع بك حذرك) .
وتغيرت ملامح المجتمع وأنهت الجماهير ادعاء الحاكم الكاذب فجاء إلى الملك من يقسم له بالله على هزيمته وعجزه ويقول له: (قد والله وقع بك حذرك) .
(فأمر بالأخاديد في أفوه السكك فخدت وأضرم فيها النيران) .
ورغم هذا لم يتوقف اندفاع الناس من كل طريق وفي كل السكك وواصلوا الاندفاع حتى أخاديد النيران.
وواصل الملك مواجهة الجماهير المندفعة فقال: (من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها أوقيل له اقتحم) ليقاوم كل إنسان بنفسه حب البقاء في نفسه فيكون أقل مقدار للضعف كافيًا وسببًا للارتداد وقد كانت هذه الفكرة آخر ما أفرزته رأس هذا الملك المهزوم من سموم المكر. ولكن الإيمان أبطل أثرها، وعالجت قوة الاندفاع الأصيل إلى الموت أثر أي ضعف كان كامنًا في النفوس.
ويلتقط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مشهدًا لمعالجة الإيمان لإحساس التعلق بالحياة فيه (جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام: ياأمه، اصبري إنك على الحق) .
جاءت الأم بولدها متمسكة به إلى النهاية لم تفصلها أهوال الأحداث عنه حتى جاءت إلى حافة الأخدود واشتعلت مشاعر الأمومة وكراهية الموت فيها فترددت أن تقع بابنها ولكن الطفل يطفئ في إحساس أمه لهيب النار ذات الوقود لتلقي بنفسها وتنجو من الضعف والتقاعس، وكان حديث هذا الصبي هو آخر كلمات القصة عند حافة الأخدود. قصة الانتصار للحق.
وتبقى مشاهد العذاب وأخاديد النيران بشررها المتطاير ولهيبها ترتفع ألسنته بأجساد المؤمنين الطاهرة. ويبقى أثر تلك النار في قلب كل مؤمن استضعافًا في الأرض وجاهلية في الحياة ترتفع ألسنتها كلما استشهد شهيد في سبيل تلك الدعوة من أجل التمكين لها في الأرض وهذه الحياة.
وفي ذلك جاء قول الله تعالى: {والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهم على مايفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد} [البروج] .