فيفهم مِن هذا أنّ إحضار الصبيان للمسجد لا يُعَدّ تشويشًا ولا سببًا في ذهاب الخشوع، لأنّ أحرص الناس على الخشوع صلى الله عليه وسلم قد فعله ..
ولذلك قال ابن حزم رحمه الله تعالى بعد أنْ ساق لفظين لحديث أمامة: «وكلّ ما فعله - عليه السلام - فهو غاية الخشوع وكلّ ما خالفه فهو الباطل، وإنْ ظنّه المخطئ خشوعاَ!» اهـ. (3/ 125) .
ونقل ابن دقيق العيد في «إحكام الأحكام» عن بعض أهل العلم قولهم بأنّ هذا العمل لا يعتبر شغلًا مفسدًا للصلاة لأنّه غير متوال، خاصّة وأنّ صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الأصل فيها الطمأنينة ومدّة القيام طويلة فاصلة. اهـ (1/ 241)
قلتُ: ولا يعدّه شغلًا مفسدًا للصلاة إلا جاهل مغرور، لأنّه عمل النبي صلى الله عليه وسلم الذي لا ينطق عن الهوى.
وإنّي لأعجب مِن هؤلاء أصحاب الورع والخشوع الكاذب كيف يستنكرون دخول الصبيان للمساجد، ويزعمون أنّ ذلك سبب في التشويش، برغم أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكره أو يعدّه كذلك، .. ولا ينكرون الزخارف المنتشرة في المساجد التي أنكرها صلى الله عليه وسلم [1] ، والتي تملأ الجدران والبسط وفيها مِن المنكرات ما الله به عليم، فهي تمتلئ بالزخارف والرسوم الملفتة للانتباه، بل إنّ في بعضها صورًا لحيوانات، وأكثرها يمتلئ بالصلبان ...
وهي مِن أكبر أسباب التشويش وإذهاب الخشوع .. ولذلك أنكر النبي صلى الله عليه وسلم الخميصة ذات الأعلام وقال بأنّ أعلامها شغلته عن الصلاة كما تقدم، فهذه الزخارف أشدّ مِن تلك الخميصة وهي مِن الأسباب المذهبة للخشوع، وبرغم ذلك لم ينكرها أصحاب الخشوع المزعوم، فهم أنكروا ما أقرّه النبي صلى الله عليه وسلم مِن إدخال الصبيان وعَدوه مُذهبًا للخشوع حيث صحّ عن بعض أصحابه أنّه قال: «إذا زوّقتم مساجدكم، وحلّيتم مصاحفكم فالدمار عليكم» [2] .
قال المناوي في «الفيض» عند كلامه على هذا الأثر: «فزخرفة المساجد وتحلية المصاحف منهي عنها لأنّ ذلك يشغل القلب ويُلهي عن الخشوع والتدبر والحضور مع الله تعالى» اهـ (1/ 366) .
ومِن ذلك يظهر لك أنّ احتجاج هؤلاء بالخشوع ونقصانه لأجل منع الصبيان مِن المساجد ما هو إلا تنطّع ظاهر، فهم يتهرّبون مِن الأسباب الحقيقية المذهبة للخشوع ولا ينكرونها ويتعذّرون بأخرى أقرّها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقلْ بأنّها تُذهب الخشوع، وما ذلك إلا مِن إبليس الذي يلبس عليهم ويؤزهم أزًّا ليمنع الصبيان مِن المساجد ويبقيهم بين المنكرات المنتشرة في الشوارع والبيوت والتي فيها إفساد لفطرتهم وما أكثرها في زماننا هذا ....
ولقد كان الحمار يمرّ بالصحابة ويمرّ مِن بين يدي بعض صفوفهم، ولا يعتبرون ذلك تشويشًا، لصدقهم في طلب الخشوع، روى الجماعة عن ابن عباس قال: «أقبلتُ راكبًا على أتان [3] وأنا قد ناهزتُ الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصفّ فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، فدخلت الصف، فلم ينكر ذلك علي أحد» .
فتأمل هذا الحديث، والشاهد منه أنّهم لم ينكروا على ابن عباس. وقد كان صغيرًا حينئذ لقوله «قد ناهزتُ [4] الاحتلام» فلم ينكروا عليه مروره بالأتان مِن بين يدي بعض الصفّ، ولم يقيموا الدنيا ويقعدوها، ويقولوا إنّ ذلك كان تشويشًا وإذهابًًا للخشوع.
(1) بنهيه صلى الله عليه وسلم عن التباهي في المساجد كما تقدم (ص 11) ، وكذا بكراهته للأعلام المشغلة في الصلاة كما في حديث الأنبجانية وغير ذلك.
(2) أخرجه ابن المبارك في كتاب «الزهد» (رقم 797/ ص275) بسند رجاله ثقات موقوفًا على أبي الدرداء، وله شاهد مرفوع في «مصنف ابن أبي شيبة» بسند حسن إلا أنّه مرسل، وشاهد آخر عند الحكيم الترمذي، ذكر ذلك الألباني في «السلسلة الصحيحة» (1351) وحسّنه بمجموع طرقه وحكم عليه بالرفع، وخالف في ذلك غير واحد مِن أهل العلم منهم الشوكاني في «الفوائد المجموعة» (ص25) ، قال عقب الحديث: «لا يصح رفعه» . فالله أعلم بالصواب. وهو عند السيوطي في «الجامع الصغير» بلفظ: «إذا زخرفتم مساجدكم ... الحديث» .
(3) الأتان: الحمارة الأنثى خاصة. «النهاية» لابن الأثير.
(4) أي قاربت. وناهز الصبي البلوغ، إذا داناه. «النهاية» .