الصفحة 18 من 45

ذكر حجج المخالفين والرد عليها

المخالفون في هذه المسألة وما على شاكلتها مِن المسائل كالصلاة بالنعال وغيرها كثيرون في هذا الزمان، والسبب في ذلك ذهاب العلم والعلماء، وجمود الناس وتحجّر عقولهم على ما اعتادوه وشبّوا عليه وهرموا فيه مِن البدع والعادات الباطلة، حتى أصبحت عندهم دينًا وسُنّة، فإذا رَدَدْتَ عليهم باطلهم أو أنكرته، قاموا في وجهك، وربما اتهموك بالكفر والضلال، وقالوا: تُرِكَت السنة وضُيّع الدين .. وإنْ جئتهم بخلاف ما اعتادوه وألِفوه أو حدثتهم بما لا يعرفوه مِن الدين ردّوه عليك، ولو جئتهم بملء الأرض أدلة وبراهين.

وأمثال هؤلاء، إنْ قبلوا الاستماع إليك ومناظرتك بالدليل والبرهان وجدتهم خاوين على عروشهم، لا يعرفون مِن الدين إلا الاسم ولا مِن العلم إلا الرسم، أدلتهم بالية، وحججهم ساقطة ولا تحتاج إلى كبير جهد لدحضها وبيان بطلانها.

فَمِّمَا احتجوا به ليمنعوا إحضار الصبيان للمساجد الآتي:

أولًا:

قالوا: إنّ الصبيان وخاصة غير المُمَيِّزِين قد يبكون أو يلعبون وذلك يشغل المصلين ويذهب خشوعهم.

فنقول: إنّكم لستم بأحرص على الخشوع مِن النبي صلى الله عليه وسلم، بل هو الذي علّمكم الخشوع وحثّكم عليه، وبرغم ذلك، وبرغم أنّه كان يسمع بكاء الصبي مع أمّه في المسجد ويرى الحسن والحسين وهما يركضان ويعثران في المسجد، ويلهو أحدهما وقت أداء صلاة الجماعة فيركب على ظهره صلى الله عليه وسلم وهو ساجد، برغم ذلك كلّه لم ينهَ صلى الله عليه وسلم عن إحضارهم للمساجد، بل كان مِن هديه صلى الله عليه وسلم أنْ يحضرهم أحيانًا كما تقدم، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.

وهو صلى الله عليه وسلم كان أحصرنا على الخشوع، بل قد رَوَتْ عائشة رضي الله عنها فيما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما أنّه صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال: «شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ، اذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ» [1] .

فانظر كيف أنّ الخميصة تشغله بأعلامها ولا يشغله وجود الصبيان في المساجد لذلك لم يأمر بإخراجهم. ولو بكوا ولعبوا أو غير ذلك ...

بل كان صلى الله عليه وسلم يتعمد إحضارهم معه، وصلاته وهو حامل أمامة شاهدٌ عظيم على ذلك، فقد كان يحملها حال قيامه ويضعها عند ركوعه وسجوده ولم يشغله ذلك عن الصلاة كما شغلته أعلام الخميصة، ولذا أنكرها وأمر بتغييرها، حتى أنّ الخَطّابي رحمه الله تعالى لم يستطع أنْ يوفّق بين ذلك، فتكلّف في كلامه على حديث أمامة تكلّفًا ظاهرًا يدفعه صريح الحديث ثم قال: «وإذا كان عَلَم الخميصة يشغله عن صلاته حتى يستبدل بها الأنْبَجانِيّة فكيف لا يُشغل عنها بما هذا صفته مِن الأمر» يقصد حمله وتركه لأمامة خلال الصلاة». اهـ [2] .

إلا أنّ النووي تعقبه في «صحيح مسلم» فقال: «وأمّا قضية الخميصة فلأنّها تشغل القلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا نسلم أنّه يشغل القلب، وإنْ شغله فيترتب عليه فوائد، وبيان قواعد ممّا ذكرنا وغيره، فاحتمل ذلك الشغل لهذه الفوائد، بخلاف الخميصة، فالصواب الذي لا معدل عنه أنّ الحديث كان لبيان الجواز والتنبيه على هذه الفوائد، فهو جائز لنا وشرع مستمر للمسلمين إلى يوم الدين، والله أعلم» اهـ.

كما ردَّ على الخطّابي في ذلك أيضًا غير واحد مِن أهل العلم .. منهم: أبو الطيب في «عون المعبود» ، والشوكاني في «نيل الأوطار» ، وكذلك أحمد محمد شاكر في تعليقه على «مختصر السنن» . وكذا ابن دقيق العيد، فقد ذهب في البداية إلى ما ذهب إليه الخطّابي ثم رجع فقال: «ولقد وقع لي أنّ هذا حسن ... -إلى أنْ قال-: حتى نظرت في بعض طرق الحديث الصحيحة فوجدت فيها: «فإذا قام أعدها» وهذا يقتضي الفعل ظاهرًا» اهـ.

(1) الخميصة: كساء مربع مِن صوف، والأنبجانية: منسوبه إلى أنبجان وهي إلى الغلظ، لا عَلَم لها. «معالم السنن» للخطابي.

(2) راجع «معالم السنن» للخطّابي (مِن «مختصر أبي داود» (1/ 431) ، حيث ذهب الخطّابي إلى احتمال «أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يحملها ويتركها بنفسه وإنّما كانت الصبية تتعلق به إذا قام وتتركه إذا ركع وسجد» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت