الصفحة 17 من 45

وقوله في الحديث «الصبيان» عام لم يحده بعمر التمييز أو غير ذلك، فيشمل الصغير والكبير، وقد قدّمنا أنّ لفظة (الصبي) : إنّما تطلق على مَن لم يفطم بعد كما جاء في «لسان العرب» : «وأصل كلمة الصبي إنّما تطلق على الوليد مِن لدن ولادته إلى أنْ يفطم» اهـ. هكذا حدّوه، وهو حجَّة لنا .. إلا أنّها قد تطلق أحيانًا على مَن هو أكبر مِن ذلك، كما يدل عليه ما صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم، عند الإمام أحمد وغيره: «عَلِّمُوا الصَّبِيَّ الصَّلَاةَ ابْنَ سَبْعٍ ... » .

الدليل السادس:

عن أبي بُريدة قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل الحسن والحسين عليهما قميصان أحمران يعثران ويقومان فنزل فأخذهما فصعد بهما المنبر ثم قال: «صَدَقَ اللهُ {إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} ، رَأَيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أَصْبِرْ [حَتَّى قَطَعْتُ حَدِيثِي وَرَفَعْتُهُمَا] » ثم أخذ في الخطبة.

رواه الإمام أحمد وأبو داود -واللّفظ له- والترمذي وغيرهم والزيادة للترمذي، وأخرجه الحاكم أيضًا في «مستدركه» وقال: «حديث صحيح على شرط مسلم» ، وكذا قال النووي في «الخلاصة» .

? وفي الحديث إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لدخول الصبيان في المساجد .. وأنّ دخولهم وخروجهم مِن المسجد سواء مع آبائهم كما تقدّم، أو دون أنْ يحضرهم أحد، وذهابهم وإيابهم فيه، كان أمرًا طبيعيًّا لا ينكره أحد ..

وقوله (يعثران ويقومان) : فيه دلالة على أنّهما كانا صغيرين جدًّا في ذلك الوقت، فهما يسقطان على الأرض لضعفهما وصغرهما وعدم استحكام قوتهما، وهو ما رجّحه في «طرح التثريب في شرح التقريب» ورجح صاحب «بذل المجهود» أنّ طول القميص كان السبب في تعثرهما. وعلى كل حال، فإنّ كِلا السببين دلالة على صغرهما ...

وسيأتي مِن كلام السهارنفوري أنّ الحسين كان عمره آنذاك يقارب ثلاث سنين وأشهرًا فقط.

الدليل السابع:

عن أبي بكرة «سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر والحسن إلى جنبه، ينظر إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» رواه البخاري (7/ 94 مِن «الفتح» ) .

وفي كتاب الفتن (13/ 61) عن أبي بكرة أيضا قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب جاء الحسن، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ ... » الحديث.

والحديث فيه أنّ الحسن كان في المسجد وإلى جنب النبي صلى الله عليه وسلم، وأنّ ذلك كان أمرًا معتادًا عندهم .. معروفًا لديهم غير مستنكر .. وقد كان الحسن آنذاك صغيرًا، حيث أنّ مولده كما قال الحافظ في «الفتح» (7/ 95) : «كان في رمضان سنة ثلاث مِن الهجرة على الأكثر، وقيل بعد ذلك .. وكانت وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بسبع أو ثمان سنين على الأكثر» .

وفي هذه الأدلة كفاية لطالب الحقّ، فهي واضحة جليّة في دلالتها على بدعية منع الصبيان مِن المساجد .. والحمد لله ربّ العالمين ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت