الصفحة 67 من 152

وقد عرفت حقيقة هؤلاء الحكام وأنهم ليسوا كفارًا عاديين بل هم طواغيت تعبد من دون الله تعالى، فموقف الداعية الموحد الذي يقتدي بنهج الرسل؛ أن يحذر الناس منهم ويدعوهم إلى البراءة منهم والكفر بهم واجتنابهم .. وإذا لم يقدر على هذا الموقف الحق .. فليعمل بحديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت) .. نعم إن عجز عن طريق الأنبياء فليصمت، بدلًا من أن يلبس على الناس بكلام غير واضح ولا جلي، بل ملتبس يؤول ويفهم وفقًا لما تواطأ الناس والطاغوت عليه، فإن؛ (من صمت نجا) أما من لبّس ودلس فهو على طريق المغضوب عليهم الذين أنكر الله تعالى عليهم فقال: (وَلاَ تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ) ..

والواقع شاهد على أن مواصلة الدعاء لهم بمثل هذا يورث القرب والألف منهم والمودة لهم؛ لذلك تراهم يقرون أمثال هؤلاء الداعين بذلك على منابر الخطابة ولايعزلونهم؛ فيكفي أنهم يرددون اسم الطاغوت في كل جمعة ولو بالدعاء له بالهداية والتوفيق لتحكيم الكتاب والسنة، في مقابل السكوت عن بيان باطله وكفره وعدم التعرض لكشف شركيات قوانينه ..

فالخلاصة كما تقدم أن مثل هؤلاء، نكره الصلاة خلفهم ونجتنبهم قدر الإمكان وإن تيسر ووجد صاحب السنة والفاضل فلا نصلي خلفهم، وفي الوقت نفسه لا نكفرهم ما لم يظهروا كفرًا بواحًا، لأن هذا الذي يقارفونه وإن كان تدليسًا وتلبيسًا فليس هو بالكفر البواح، وما دام ليس كذلك ففاعله من العصاة أو الفساق المليّين الذين لا يخرجون عن عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم (وليؤمكم أحدكم) إذ هم يبقون من آحاد المسلمين، ولذلك فنحن لا نقول ولم نقل في يوم من الأيام ببطلان صلاة من صلى خلف أمثالهم، وإن كنا نكرهها وننكرها ما دام مجال الإختيار موجودًا وليس ثم أذى أو فتنة أو خوف .. وذلك لشناعة البدعة التي يقارفها هؤلاء القوم وفداحة التلبيس الذي يمارسونه في أصل الدين وعروته الوثقى وكون دعائهم ذريعة قد توصل إلى شر أعظم ..

*ومن أسباب كراهيتنا للدعاء ولو بالهداية للطواغيت على المنابر ونهينا عنه:

-أولا: أن الدعاء على منبر الجمعة للحكام عموما ولو كانوا من الخلفاء الراشدين، من بدع الجمعة المحدثة في الدين والتي ليست عليها أثارة من علم، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) [1]

قال في المجموع شرح المهذب (4/ 393) .. (وأما الدعاء للسلطان فاتفق أصحابنا على أنه لا يجب ولا يستحب وظاهر كلام المصنف وغيره أنه بدعة، إما مكروه وإما خلاف الأولى .. ) أهـ

وقال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: وَقَدْ اِسْتَثْنَى مِنْ الْإِنْصَات فِي الْخُطْبَة مَا إِذَا اِنْتَهَى الْخَطِيب إِلَى كُلّ مَا لَمْ يُشْرَع مِثْل الدُّعَاء لِلسُّلْطَانِ مَثَلًا، بَلْ جَزَمَ صَاحِب التَّهْذِيب بِأَنَّ الدُّعَاء

(1) جزء من حديث رواه الإمام أحمد ومسلم وغيرهما عن جابر رضي الله عنه ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت